ردًا على الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي: أسئلة مشروعة تكشف ما لم يقله البيان الرسمي
تؤكد دار الخدمات النقابية والعمالية أن بيان الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي الأخير، والخاص بأزمة "السيستم الجديد" وتعطيل تسجيل أصحاب المعاشات، لا يمكن اعتباره ردًا كافيًا على ما يجري على الأرض، بل يمثل محاولة لتخفيف وقع أزمة حقيقية تضرب أحد أخطر مرافق الحماية الاجتماعية في مصر.
ما يحدث ليس “بطئًا تقنيًا” ولا “تحديات بداية تشغيل”، كما ذكر البيان، بل حالة شلل واسعة النطاق عطّلت مصالح ملايين المواطنين، ووضعت حقوقهم التأمينية في مهب "الحرمان"، رغم إنفاق مليارات الجنيهات من أموال أصحاب المعاشات أنفسهم على مشروع كان يفترض أن يُسهّل حياتهم لا أن يعقّدها.
ونستعرض فيما يلي أبرز ما ورد في بيان الهيئة، والرد عليه استنادًا إلى ما توفر لدينا من معلومات وشهادات موثقة:
أولًا: “لا توجد أعطال وإنما بطء في بعض الخدمات”.. هذا التوصيف الذي ورد في بيان الهيئة يتناقض بشكل واضح مع الواقع.. فالمصادر والشكاوى تؤكد توقفًا فعليًا لعدد كبير من الخدمات، وليس مجرد بطء، فعدم القدرة على استخراج “برنت تأميني” وهو أبسط خدمة وتعطل تسجيل الاشتراكات الجديدة، وتوقف نقل الملفات، كلها مؤشرات على خلل هيكلي في المنظومة، وليس مجرد بطء جزئي.. كما أن تعطل نحو 475 مكتبًا تأمينيًا بشكل فعلي يعكس حجم الأزمة الحقيقي.
ثانيًا: ما ذكرته الهيئة من أنه “لا يوجد توقف في صرف المعاشات”، فإننا نؤكد أن تعميم هذا التصريح يُخفي حقيقة جوهرية، وهي أن الأزمة الأساسية تضرب “المعاشات الجديدة” والتسويات، وليس فقط المعاشات القائمة.. فآلاف الحالات التي خرجت حديثًا إلى المعاش لم تتمكن من صرف مستحقاتها منذ 24 فبراير، وبالتالي فإن القول بعدم وجود أزمة في الصرف هو قولٌ "مُجتزأ" يُخفي أكثر مما يُظهر.
ثالثًا: ذكر البيان أنه “تم إطلاق النظام بعد اختبارات استمرت عامًا ونصف”، وردًا على ذلك نقول إنه إذا كان النظام قد خضع لكل هذه الاختبارات المزعومة، فكيف ينهار عند أول تطبيق فعلي؟ المعلومات المتاحة تشير إلى أن النظام جرى تجربته منذ يوليو 2023، ولم يثبت استقراره، ومع ذلك تم إيقاف النظام القديم بالكامل دون تشغيل بديل مستقر.. كما أن إطلاق المنظومة تم دون تدريب كافٍ للمستخدمين النهائيين، وهو خطأ إداري جسيم لا يمكن تبريره.
وفي ضوء ما ورد في بيان الهيئة فإن دار الخدمات النقابية ترى أن هناك قضايا جوهرية لم يتم الرد عليها أو تم تجاهلها بالكامل، رغم كونها تمس جوهر الأزمة ومسؤولية إدارتها..
ومن ثم، فإننا نطرح مجموعة من الأسئلة المباشرة التي نأمل أن تلقى إجابات واضحة وشفافة:
1. لماذا تم إيقاف النظام القديم دون جاهزية كاملة للنظام الجديد، ودون تطبيق أي تشغيل متوازٍ يضمن عدم تعطيل مصالح المواطنين؟ وأين كانت خطة الطوارئ لمواجهة فشل الانتقال؟
2. ما هي الشركة المنفذة؟ وما هي سوابق أعمالها؟ وهل تم استكمال التكامل مع الجهات الحكومية المختلفة قبل إطلاق النظام؟ وإذا لم يحدث، فلماذا تم تشغيل منظومة تعتمد على هذا التكامل؟ وما مبرر التحول إلى مركزية استلام الملفات رغم ما تسبب فيه ذلك من بطء وتعقيد؟
3. كيف تم إنفاق نحو 1.3 مليار جنيه من أموال أصحاب المعاشات على مشروع لم يثبت جاهزيته التشغيلية؟ وما العائد الفعلي الذي تحقق حتى الآن؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الإخفاق؟
4. ما حجم الضرر الفعلي الذي لحق بالمواطنين وكم -بالتحديد- يبلغ عدد المتضررين نتيجة توقف الخدمات؟ ولماذا لم يتم اتخاذ إجراءات فورية لمعالجة تعطّل صرف المعاشات الجديدة وتسجيل الاشتراكات وسداد المستحقات؟
5. على أي أساس تصف الهيئة ما يحدث بأنه “مرحلة طبيعية” ، بينما الواقع يشير إلى تعطيل مصالح ملايين المواطنين؟ وهل تعتبر الهيئة أن تحميل المواطنين تكلفة هذا الإخفاق أمر "طبيعي ومقبول"؟
وفي ضوء ما سبق، تؤكد دار الخدمات النقابية والعمالية أن الأزمة تتطلب تدخلًا عاجلًا، بما يضمن صرف جميع المستحقات المتأخرة فورًا، وفتح تحقيق شفاف في كافة الملابسات، ومحاسبة المسؤولين عن هذا الإخفاق.
كما تشير الدار إلى أن خطورة الوضع لم تعد محل تقدير مجتمعي فقط، بل امتدت إلى المؤسسة التشريعية، وهو ما تجسد في طلب الإحاطة العاجل المقدم من النائبين أحمد بلال و فريدي البياضي، والذي طالب بكشف حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم إهدار المال العام أو المساس بحقوق المواطنين.
وفي الختام نقول إنه في وقت يعاني فيه أصحاب المعاشات أصلًا من تدني قيمة ما يتقاضونه من جنيهات قليلة لا تُسمن ولا تُغني من غلاء، جاءت الأزمة الحالية لتسلبهم حتى هذا الحق الضئيل، إذ لم يعد كثيرون يجدون معاشهم من الأساس، بعدما احتجزته أعطال “السيستم الجديد”، ليصبح القلق اليومي ليس فقط من ضعف الدخل، بل من غيابه بالكامل.
إضافة تعليق جديد