نقاشات ساخنة في احتفالية دار الخدمات بـ"يوم العمال"..
مطالب بإصلاح عاجل للقوانين وانتقادات لمد الدورة النقابية وتحذيرات من آثار تدهور الأوضاع الاقتصادية
شهدت احتفالية عيد العمال التي نظمتها دار الخدمات النقابية والعمالية هذا العام زخمًا سياسيًا ونقابيًا لافتًا، عكس حجم التحديات التي تواجه الطبقة العاملة في مصر، كما كشف عن اتساع دوائر الجدل حول عدد من القضايا المرتبطة بالتشريعات العمالية، والأوضاع الاقتصادية، ومستقبل العمل النقابي.
وشهدت الاحتفالية مشاركة عدد من الشخصيات العامة والمهتمين من بينهم النائب عاطف مغاوري عضو مجلس النواب، الدكتور احمد حسن البرعي وزير العمل الأسبق، إيهاب منصور وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، محمد أنور السادات نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان ورئيس حزب الإصلاح والتنمية، أحمد بهاء شعبان رئيس الحزب الاشتراكي المصري، باسم كامل عضو مجلس الشيوخ، الدكتور محمد طه عليوة أستاذ القانون وعضو مجلس الشيوخ عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إلى جانب عدد كبير من النقابيين والقيادات العمالية.
وأعلنت دار الخدمات النقابية والعمالية تدشين جائزة سنوية جديدة لأفضل موضوع صحفي يتناول قضايا العمال، في خطوة تستهدف دعم الصحافة العمالية وتشجيع التغطيات المهنية التي تنقل هموم العاملين وتسهم في طرح حلول لقضاياهم.
وقال المنسق العام للدار، كمال عباس، إن إطلاق الجائزة يأتي تقديرًا للدور المتنامي للصحفيين المهتمين بقضايا العمال، مشيرًا إلى أن الفترة الأخيرة شهدت بروز عدد كبير من الصحفيين المجتهدين الذين يسعون إلى نقل صوت العمال والدفاع عن حقوقهم، مؤكدًا أن “هؤلاء يستحقون تكريمًا يليق بجهودهم”.
وأوضح عباس أن لجنة متخصصة ستتولى وضع المعايير المنظمة للجائزة وشروط الترشح، على أن يرأسها نقيب الصحفيين الأسبق يحيى قلاش، معربًا عن تقديره لموافقته على قيادة هذه المبادرة، لما يمثله من قيمة مهنية ونقابية في الوسط الصحفي.
أحمد حسن البرعي: ثلاث قضايا هي الأكثر إلحاحًا
وفي مقدمة المتحدثين، طرح الدكتور أحمد حسن البرعي رؤية قانونية تفصيلية، ركز فيها على ثلاث قضايا وصفها بأنها “الأكثر إلحاحًا” وتحتاج إلى تدخل تشريعي سريع.
وأوضح أن قضية الأمان الوظيفي تأتي على رأس هذه الأولويات، خاصة في ظل ما وصفه بالغموض الذي يحيط بتنظيم عقود العمل محددة المدة في القانون الجديد.. مشيرًا إلى أن هذا الغموض
يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة قد تضر باستقرار العامل، وتجعله عرضة لفقدان وظيفته دون ضمانات كافية، وهو ما يتعارض مع فلسفة قوانين العمل التي يفترض أن تحمي الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
وانتقل البرعي إلى نقطة أخرى تتعلق بإثبات علاقة العمل، معتبرًا أن المنظومة الحالية لا تحقق التوازن بين العامل وصاحب العمل.
وفيما يتعلق بالحد الأدنى للأجور، أشار البرعي إلى أن المشكلة لم تعد في تحديده، بل في تطبيقه، موضحًا أن المجلس الأعلى للأجور يصدر قرارات واضحة يتم اعتمادها بقرارات وزارية، لكن هذه القرارات لا تجد طريقها إلى التنفيذ في عدد كبير من المؤسسات.
أما الملف الثالث الذي تطرق إليه البرعي، فهو التأمينات الاجتماعية، حيث أبدى تحفظات على بعض جوانب القانون الحالي، خاصة فيما يتعلق بتمثيل أصحاب المعاشات.. واقترح إتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس حقوقهم.. كما أثار قضية رفع سن المعاش إلى 65 عامًا، معتبرًا أن هذا القرار قد تكون له تداعيات على سوق العمل، خصوصًا في ظل عدم وجود عجز حقيقي في القوى العاملة، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص فرص التوظيف أمام الشباب.
السادات: حماية كرامة المواطن يجب أن تكون بسياسات تنفيذية واضحة
وفي مداخلته، تحدث محمد أنور السادات عن ضرورة مراجعة آليات التعامل مع القضايا العمالية، مشيرًا إلى أن تكرار طرح المشكلات نفسها دون الوصول إلى حلول ملموسة أصبح أمرًا لافتًا.. متسائلا عن جدوى النقاشات التي لا تنعكس على أرض الواقع، داعيًا إلى وقفة جادة لإعادة التفكير في أساليب العمل السياسي والتشريعي.
وأكد السادات أن القضايا المرتبطة بالأجور، والأمان الوظيفي، والحريات النقابية، ليست جديدة، لكنها تتفاقم بمرور الوقت، ما يستدعي البحث عن مقاربات مختلفة تركز على النتائج وليس فقط على الطرح.. كما أشار إلى أن تحسين أوضاع العمال لا ينفصل عن تحسين البيئة العامة للحقوق والحريات، معتبرًا أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يكون شاملًا.
وتطرق إلى الأبعاد الاجتماعية للأزمة، موضحًا أن الضغوط الاقتصادية انعكست على سلوك المواطنين، وظهرت في صورة تغيرات مجتمعية ملحوظة، وهو ما يستدعي التعامل مع القضية من منظور أوسع يتجاوز الإطار الاقتصادي المباشر.. مشددًا على أهمية ترجمة التوجهات الرسمية التي أقرها الرئيس عبدالفتاح السيسي -خلال كلمته الأخيرة في احتفال عيد العمال- بشأن حماية كرامة المواطن إلى سياسات تنفيذية واضحة.
إيهاب منصور: ملف "الدورة النقابية" يحتاج حوار مجتمعي شامل
من جانبه، تناول إيهاب منصور قضية مد الدورة النقابية، حيث انتقد فكرة مد الدورة إلى خمس سنوات، معتبرًا أنها تتعارض مع مبدأ تجديد دماء القيادات، الذي يعد أحد أهم عناصر حيوية العمل النقابي.. كما أشار إلى أن هذا التمديد قد يؤدي إلى تداخل الانتخابات النقابية مع الاستحقاقات السياسية الأخرى، مثل الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وهو ما قد يخلق تعقيدات إضافية.
وطالب بضرورة فتح حوار مجتمعي شامل حول هذا الملف، يشارك فيه ممثلو العمال والنقابات والخبراء، قبل اتخاذ أي قرار نهائي، مؤكدًا أن مثل هذه القضايا لا ينبغي حسمها بشكل منفرد.
أحمد بهاء شعبان: التنظيم القوي هو السبيل الوحيد لتحقيق المكاسب
وفي مداخلة اتسمت بقوة الطرح، انتقد أحمد بهاء شعبان واقع الحياة السياسية، معتبرًا أن ضعف الأحزاب يمثل أحد الأسباب الرئيسية في تراجع القدرة على الدفاع عن حقوق العمال.. منبهًا إلى أن التنظيم القوي هو السبيل الوحيد لتحقيق مكاسب حقيقية، داعيًا العمال والفلاحين إلى الانخراط في العمل السياسي.
كما تناول التحولات الاقتصادية، منتقدًا ما وصفه بالتركيز المفرط على الاستثمار العقاري على حساب القطاعات الإنتاجية، وهو ما يؤدي، بحسب رأيه، إلى إضعاف الاقتصاد الحقيقي.. وضرب مثالًا بحجم الإنفاق على أحد المشروعات العقارية والذي تجاوز التريليون جنيه وفق ما تم الإعلان عنه، معتبرًا أن توجيه هذه الموارد إلى التعليم أو الصناعة كان سيحقق نتائج أفضل على المدى الطويل.
عاطف مغاوري: تصاعد "الرأسمالية المتوحشة" انعكس على أوضاع العمال
بدوره، قدم عاطف مغاوري قراءة نقدية للوضع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن العالم يشهد تصاعدًا في ما وصفه بـ”الرأسمالية المتوحشة”، وهو ما ينعكس على أوضاع العمال في مختلف الدول.. مؤكدًا أن العمال يمثلون العمود الفقري لأي اقتصاد، وأن تجاهل حقوقهم يهدد استقرار المجتمع.
وتطرق إلى بنية الاقتصاد المصري، حيث حذر من الاعتماد المتزايد على الأنشطة غير الإنتاجية، مثل الاستثمار العقاري، على حساب الصناعة والزراعة.. مشيرًا في الوقت ذاته إلى ارتفاع أعباء الدين العام، موضحًا أن نسبة كبيرة من الموازنة العامة تذهب لسداد الفوائد، وهو ما يقلل من الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات الأساسية.
واستدرك مغاوري أن هذا الوضع يضعف مناعة الاقتصاد، ويجعله أكثر عرضة للتأثر بالأزمات الخارجية، داعيًا إلى تبني سياسات تعزز الإنتاج المحلي وتقلل من الاعتماد على الاقتراض.
باسم كامل: حقوق العمال تتطلب بيئة سياسية تتيح الحرية النقابية
وفي السياق ذاته، شدد باسم كامل على أن تحقيق حقوق العمال يتطلب بيئة سياسية تتيح حرية العمل النقابي والحزبي، معتبرًا أن غياب هذه البيئة يحد من قدرة العمال على التعبير عن مطالبهم بشكل فعال.
وأشار إلى أن النقاشات البرلمانية حول بعض القوانين، مثل قانون تحليل المخدرات للعاملين "القانون 73"، لم تصل إلى نتائج حاسمة، رغم المطالبات المستمرة بمراجعته، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، خللًا في آليات اتخاذ القرار.
كما لفت إلى السياق الدولي، مشيرًا إلى صعود التيارات اليمينية في عدد من الدول، وما يصاحبه من سياسات قد تؤثر سلبًا على حقوق العمال، وهو ما يستدعي تعزيز دور النقابات كخط دفاع أساسي عن هذه الحقوق.
محمد طه عليوة: سيأتي يوم يكون للعمال فيه حركة نقابية مستقلة
واختتم الدكتور محمد طه عليوة أستاذ القانون وعضو مجلس الشيوخ عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، كلمات المتحدثين بالقول "سيأتي يوم نلتقي فيه بعمال مصر في ساحات وميادين مصر في حركة نقابية وعمالية مستقلة ومنظمة تعرف شعاراتها وتعرف قياداتها وتعرف من أين ومن أجل ماذا تريد أن تناضل.. أحيي دار الخدمات النقابية وكل العاملين في هذه الأطر الضيقة من أجل أن يأتي اليوم الذي تكون فيه الحركات النقابية مستقلة بدلا من التنظيمات النقابية المستتبعة والتي هي الأغلبية الساحقة بحكم القانون وبحكم الأوضاع الموروثة والتي تُعد ذراعا للسلطة وليست ذراعًا للعمال".
وفي سياق الاحتفالية، حرصت دار الخدمات النقابية والعمالية على تسليط الضوء على النماذج العمالية التي لعبت أدوارًا بارزة في الدفاع عن حقوق العمال، حيث تم تكريم شخصيتين من رموز العمل النقابي، هما أحمد عرابي، رئيس اتحاد أصحاب المعاشات وصاحب التاريخ الطويل في الدفاع عن حقوق العمال وتبني قضاياهم، وصلاح الأنصاري، أحد القيادات العمالية بشركة الحديد والصلب وصاحب الإسهام المتميز في التدريب العمالي.