حسن بدوي يكتب: حقائق إضراب عمال المحلة .. وتوابعه

مقالات
الخميس, مارس 7, 2024 - 11:25

حقائق إضراب عمال المحلة .. وتوابعه

اعتراف حكومي بمشروعية مطالب العمال ودور أمني يزيد الاحتقان!!

حسن بدوي

بصدور قرار من وزير قطاع الأعمال بالاستجابة الجزئية لأول مطالب عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، ووعد من إدارة الشركة بتنفيذ المطلب الثاني في أبريل المقبل، أنهى العمال إضرابهم  الذي استمر أسبوعاً.

وعقب ذلك اعتقل الأمن الوطني 13 من العمال، الذين كان بعضهم قد شارك في المفاوضات التي سبقت قرار الوزير ووعد الإدارة.

فما هي الحقائق التي كشفها أو أكدها الإضراب وتطوراته؟

وما هي التوابع التي تلته وردود الفعل المتوقعة من كل الأطراف.. العمال والإدارة والأمن؟

أولاً- الحقائق:

  1. إن صدور قرار وزير قطاع الأعمال بزيادة الحد الأدنى ل،"الدخل" إلى 6000 جنيه، هو أولاً، اعتراف بحق كل عمال شركات قطاع الأعمال العام في هذا الحد الأدنى لـ"الدخل"، وهو ثانياً، إقرار بحق عمال شركة المحلة الذي أضربوا من أجله، وإن كان العمال قد أضربوا من أجل زيادة الحد الأدني لـ"الأجر" وليس الدخل، أسوة بزملائهم في القطاع الحكومي، مع تدرج أجور بقية درجات العاملين، ولا مجال هنا للقول بأنه إقرار من الوزير بحق العمال في الإضراب لأن الإضراب عن العمل حق مشروع بموجب الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر وصارت قانوناً واجب التطبيق محلياً، ولا يحتاج هذا الحق لإقرار من أي مسئول.
  2. إن وعد إدارة الشركة بتنفيذ مطلب العمال بزيادة بدل الوجبة الغذائية إلى 900 جنيه شهرياً، أي ما يعادل سعر لتر لبن يومياً، وهو ما يحتاجه عمال الغزل والنسيج بسبب طبيعة عملهم، هو اعتراف أيضاً من الإدارة بحق العمال في مطالبهم.
  3. إن الإضراب الذي شمل كل أقسام الشركة استثنى العمال منه قسم التصدير للوفاء بطلبيات الشركة، مما يؤكد تحلي العمال بدرجة كبيرة من المسئولية والوعي والتنظيم خلال الإضراب.
  4. إن ممثلي العمال في المفاوضات خلال الإضراب كانوا 11 مندوبا يمثلون كافة أقسام الشركة، وأن الإضراب خلق قادته الطبيعيين با ختيار العمال أنفسهم.
  5. إن الإضراب تم بمعزل عن اللجنة النقابية التابعة للتنظيم النقابي "الحكومي" المنفصل هو ونقاباته العامة ولجانه النقابية عن القواعد العمالية، والتي لم تنتبه أصلاً لحقوق العمال، وبالتالي لم يكن متوقعاً أن تطالب بها.
  6. إن عمال القطاع الخاص (نحو 8 ملايين عامل) والعاملين بعقود مؤقته (في قطاعات الحكومة والأعمال العام والخاص) من حقهم الحصول على الحد الأدنى للأجر 6000 جنيه، فكلهم يعيشون نفس المعاناة من الانفلات الجنوني غير المسبوق لأسعار كافة السلع والخدمات، وذلك أسوة بالعملين بالحكومة وقطاع الأعمال العام.
  7. إنه لابد من التعجيل بوضع نظام تأمينات شامل للعمالة غير المنتظمة (نحو 14 مليون عامل)، يضمن لهم ولأسرهم حياة إنسانية كريمة، أسوة ببقية العاملين في القطاعات الأخرى. 

ثانياً- التوابع:

وقبل سرد التوابع فإن حقائق الإضرابات العمالية التي تمت منذ 1974 حتى الأن تؤكد أن مصر أصبحت تدور بالكامل في فلك الرأسمالية العالمية، وقلصت قطاعها العام حتى انخفض عدد عماله من 2 مليون و200 ألف عامل عام 1974 إلى نحو 200 ألف عامل الآن، وألقت بكل رهانها الذي أثبت فشله طوال تلك العقود على قيام رأس المال الخاص المصري والأجنبي بالتنمية، ومع ذلك تصر على عدم الأخذ من النظم الرأسمالية التي تتبعها بحق العمال في التفاوض والإضراب عن العمل، فدأبت أجهزة الأمن فيها على إرهاب العمال واعتقالهم كلما طالبوا بحقوقهم المشروعة في شروط وظروف عمل تضمن لهم الحد الأدني من الحياة الإنسانية الكريمة، ضاربين بعرض الحائط نصوص الدستور والاتفاقيات الدولية.

ولهذا فإنه مع اليوم الأول في إضراب عمال المحلة، استدعى الأمن الوطني بعض عاملات قسم الملابس الجاهزة، الذي كان أول الأقسام المضربة، وطلب منهن عدم الذهاب للعمل في اليوم التالي، ممارسين عملية ترهيب للعمال، غير أنهن لم يستجبن للطلب وتوجهن للشركة لمشاركة بقية العاملات والعمال في الإضراب.

وبعد انتهاء الإضراب، الذي أقر الوزير والإدارة بمشروعية مطالبه، قام الأمن الوطني باعتقال 13 عاملاً واحتجازهم في مكان مجهول، وهو الأسلوب المعتاد من الأمن كلما تحرك العمال بالطرق السلمية المشروعة للمطالبة بحقوقهم، مما يشكل خطراً شديداً على استقرار بيئة العمل، وربما استقرار المجتمع كله، في ظروف شديدة الاحتقان، بسبب ظروف المعيشة المتردية.

  1. إن اعتقال عدد من عمال المحلة عقب إنهاء الإضراب ليس له تفسير سوى أنه تنكيل بعمال الشركة، وإرهاب بقية عمالها، والضغط عليهم للقبول بأية أوضاع متردية، والرضوخ حال نكوص الإدارة عن وعدها بتطبيق زيادة بدل الوجبة.
  2. إن استمرار تدخل الأمن في نزاعات العمل لصالح الإدارات وأصحاب الأعمال، وضد مصالح العمال، لن يؤدي إلا لزيادة الاحتقان والغضب العمالي، ولن يمنع إطلاقاً، وفقاً لحقائق التاريخ والجغرافيا، حدوث الإضرابات مستقبلاً، فذلك أمر لم تستطع أية أجهزة في أي دولة في العالم مهما كانت ممارساتها شديدة الاستبداد، أن تمنع حدوثه، لسبب بسيط وواضح لدى العمال في مصر وفي كل أنحاء العالم عندما يصيرون على حافة الهاوية، وهو أنه لا بديل لهم لمواصلة الحياة عن التحرك الجماعي والتضامني في ما بينهم لنيل حقوقهم، وأنهم لن يخسروا سوى بؤسهم وقيودهم.

  

إضافة تعليق جديد