نادي خريجي المدرسة العمالية اللقاء السادس

في ندوة المدرسة العمالية.. د. أحمد حسن البرعي يستعرض كتاب "التطور التاريخي للتشريعات الاجتماعية في مصر"

استضاف اللقاء السادس لنادي خريجي المدرسة العمالية الدكتور أحمد حسن البرعي، أستاذ التشريعات الاجتماعية ووزير القوى العاملة الأسبق، وذلك لمناقشة واستعراض كتابه "التطور التاريخي للتشريعات الاجتماعية في مصر"، والذي يتناول بدايات ظهور التشريعات الاجتماعية في مصر، والعوامل التي ساهمت في نشأة الطبقة العاملة، إلى جانب نضال العمال من أجل الحصول على حقوقهم القانونية والاجتماعية، وأبرز التشريعات التي صدرت خلال فترة الحكم الاشتراكي.

وخلال اللقاء، قال الدكتور أحمد البرعي إن فكرة الكتاب بدأت منذ سنوات أثناء عمله على كتابه الخاص بالثورة الصناعية، موضحًا أنه قرأ كثيرًا لعدد من المحللين الاقتصاديين الذين اعتبروا أن الاقتصاد يعكس حالة المصارحة الاجتماعية داخل المجتمعات المختلفة، من خلال طبيعة العلاقة بين الطبقة العاملة وطبقة أصحاب الأعمال، وكيفية توزيع الناتج الاقتصادي.

وأضاف البرعي أن عددًا كبيرًا من الكتاب والمفكرين الأجانب، سواء من الإنجليز أو الفرنسيين، كانوا ينظرون إلى مصر باعتبارها واحدة من الدول العربية المرشحة لأن تصبح قوة صناعية كبرى، خاصة منذ عصر الاقتصادي طلعت حرب، مشيرًا إلى أن مصر دخلت ثورة يوليو 1952 وهي على أعتاب تطوير حقيقي للنظام الصناعي.

وأوضح أنه حاول خلال إعداد الكتاب العودة إلى المهتمين بتاريخ الحركة العمالية في مصر، مؤكدًا أن الطبقة العاملة المصرية في ذلك الوقت كانت تُعتبر من الطبقات التي تحصل على نصيب مناسب من الدخل وتتمتع بظروف معيشية جيدة نسبيًا، إلا أن التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد بعد عام 1962 غيرت المشهد بالكامل.

وأشار إلى أن حركة التأميم التي بدأت في تلك الفترة أدت إلى تحول القطاع الاقتصادي بصورة شبه كاملة إلى القطاع العام، بعدما كان القطاع الخاص هو المسيطر على النشاط الاقتصادي، موضحًا أن القطاع العام أصبح يستحوذ على ما بين 70 و80% من النشاط الاقتصادي في البلاد، قبل أن يبدأ هذا الوضع في التراجع مع سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

وتابع البرعي أن مرحلة جديدة بدأت مع مطلع التسعينيات، وتحديدًا عام 1991، عندما بدأت المناقشات مع صندوق النقد بشأن تصفية القطاع العام والعودة مرة أخرى إلى هيمنة القطاع الخاص، لافتًا إلى أنه خلال فترة الرئيس الأسبق حسني مبارك بدأ النشاط الاقتصادي الخاص يطغى بصورة واضحة على القطاع العام.

وقال إن ما لفت انتباهه هو التفاوت الكبير بين حجم القطاع العام وقيمة إنتاجه، موضحًا أن القطاع العام كان يُقدّر بنحو 600 مليار جنيه، بينما لم يكن ناتجه يتجاوز 18 مليون جنيه، معتبرًا أن هذا الوضع فرض ضرورة إعادة النظر في تأثير تلك التحولات الاقتصادية على عالم العمل والتشريعات المنظمة له.

وأكد البرعي أن المجتمع المصري عاش لعقود طويلة حالة من التقلب الاقتصادي بين الاشتراكية والرأسمالية، وهو ما جعل القوانين في كثير من الأحيان عاجزة عن مواكبة هذه التغيرات المتلاحقة، مشيرًا إلى أن بعض التشريعات كانت تصدر في أوقات معينة دون أن يتمكن المتخصصون أنفسهم من تحديد ما إذا كانت تميل إلى النظام الرأسمالي أم الاشتراكي.

وأوضح أن أكثر من 45 قانونًا صدرت منذ عام 1962 وحتى الآن لتنظيم علاقات العمل، معتبرًا أن هذا العدد الكبير يعكس حالة الارتباك التشريعي الناتجة عن تغير السياسات الاقتصادية، مضيفًا أن القانون من الطبيعي أن يستجيب للتطورات الاقتصادية والسياسية، ولكن في حدود معينة، وليس عبر تغييره بالكامل مع كل تحول اقتصادي.

وأضاف أن مصر ورثت في النهاية سوق عمل “مختلط الأوضاع”، نتيجة الانتقال المتكرر بين أنظمة اقتصادية مختلفة، لافتًا إلى أن بعض الدول الأوروبية وصلت إلى مراحل متقدمة في تنظيم العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال، حيث تُلزم القوانين أصحاب الأعمال بعقد اجتماعات سنوية مع العمال للتفاوض حول الأجور والإجازات وغيرها من الحقوق، وهو ما يُعرف بالمفاوضة الجماعية.

وأكد البرعي أن مصر لا تزال في مرحلة أولية فيما يتعلق بفكرة المفاوضة الجماعية والنقابات المستقلة، مشددًا على أن القضايا الأساسية التي يجب أن تكون محل نقاش دائم تتمثل في الأمان الوظيفي والأجور والتأمينات الاجتماعية.

وفيما يتعلق بالأجور، أوضح أن هناك ثلاثة أنواع من الأجور، وهي الحد الأدنى للأجر، والحد المناسب، والحد العادل، مشيرًا إلى أن الدول الصناعية الكبرى استطاعت الوصول إلى مفهوم “الأجر العادل والكافي”، بينما لا تزال العديد من الدول النامية، ومن بينها مصر، تناقش حتى الآن قضايا الحد الأدنى للأجور باعتبارها أولوية أساسية للعامل.