برنامج الحملات

أهداف البرنامج:

تحسين شروط العمل، وإعمال معايير العمل من خلال:

1- العمل من أجل تعديل البنية التشريعية بما يكفل تطوير الحماية القانونية للعمال.

2- العمل من أجل إلغاء القيود القانونية والتنفيذية المفروضة على حق العمال فى تكوين نقاباتهم المستقلة.

3- إلغاء القيود المفروضة على حق الإضراب.

 4- العمل على تطوير هيكل الأجور فى مصر، وإقرار حد أدنى عادل للأجور.

5- العمل على تطوير آليات الرقابة المجتمعية لتطبيق معايير العمل.

  كما تنظم الدار من خلال البرنامج حملات المساندة للتحركات العمالية فى مواقع العمل المختلفة ..وذلك لتعزيز هذه التحركات، والدفاع عنها.

  • ثلاثاء, 02/25/2014 - 15:35

    خلال الأيام الأخيرة الماضية .. بلغت تجاوزات وزارة القوى العاملة والهجرة فى حق اتحاد عمال مصر الديمقراطى حدأ لا يمكن السكوت عليه أو التهاون معه..

  •  

    أوضاع العمال فى مصر

    بين علاقات عمل جديدة وتنظيم نقابى قديم

    إعداد

    كمــــال عبــــــاس

    المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية

     

    تساؤلات .. وعلامات استفهام كثيرة ..تلك التى أصبحت تحيط بالطبقة العاملة الآن..

    تساؤلات ..قد لا يعد تجاوزاً القول بأنها تبلغ أحياناً حد الاتهام !!

    اتهامات بالتراخى ، والتقاعس فى دفع عجلة التنمية الاقتصادية .. واتهامات بالسلبية تجاه قضايا المجتمع ، والعجز عن الاضطلاع بدورها المفترض تاريخياً ..ووراء هذه وتلك لم يعد المهاجمون هم فقط أعداء الطبقة العاملة الذين ناصبوها العداء منذ أيامها الأولى .. وإنما باتت الاتهامات تأتى أيضاً من أنصارها .. بعض هؤلاء الذين علقوا عليها الآمال ثم حملوا عليها عندما ضاعت آمالهم ، وبعضهم ممن جعل يعيد النظر فى كافة المفاهيم والرؤى السابقة على زمان العولمة ..

    أصبح مفهوم الطبقة ذاته محلاً للتساؤل والتشكيك .. تذهب بعض المقولات إلى اعتباره مفهوماً بالياً عفا عليه الزمان ، بينما يدعى آخرون أنه لا يعدو تصوراً نظرياً لا وجود له فى غير أذهان المفكرين الأيديولوجيين.

    ومهما يكن من أمر التساؤلات ، والاتهامات .. قسوتها حيناً  ، أو  مجافاتها الحقائق الموضوعية  أحياناً .. فإنه لا سبيل إلى مناقشتها أو الإجابة عليها بغير فتح ملفات الطبقة العاملة المصرية ، وقراءة أوضاعها .. ما  آلت إليه أحوالها ، وما طرأ عليها من متغيرات .. بغير محاولة التعرف على ملامح الحركة العمالية .. وعلى الأخص بغير التوقف أمام الحقوق والحريات النقابية المُصَادرة...علنا نجد السبيل إلى إعادة صياغة التساؤلات بصورة أكثر منطقية ، وإيجاد محاور صحيحة للحوار والجدل حول القضايا المطروحة .

    ورغم أن المجال لا يتسع بهذه الورقة إلى الاستعراض المستفيض لمسار الطبقة العاملة المصرية التاريخى .. إلا  أن المعالجة السريعة لتاريخ هذه الطبقة ومحطاته الرئيسية ربما كانت مدخلاً لا بد منه لما نحن بصدده الآن من أوضاع .

    مقدمــــــــــة تاريخية

    لم تزل البدايات الأولى للعمل المأجور ذى الطابع الاجتماعى فى بلادنا محلاً للبحث والجدال بين مؤرخى الطبقة العاملة المصرية .. غير أنه يمكن القول أن نهايات القرن الماضى تبدو تاريخاً متفقاً عليه لبداية التحركات الجماعية العمالية التى أكسبت الطبقة العاملة ملامحها الأولى .. حيث يتأسس هذا التاريخ على الإضراب الناجح للفافى التبغ فى ديسمبر 1896 والذى استمر حتى فبراير من العام التالى لينتهى إلى أول اتفاق جماعى فى حياة الطبقة .

    الطبقة العاملة فى نصف قرن

    هكذا ..دلفت الطبقة العاملة إلى القرن العشرين وهى تتلمس طريقها إلى الحركة الفاعلة دفاعاً عن مصالحها الجماعية فى أجور وشروط عمل أكثر عدلاً .. وإذا كان العمال الأجانب-على الأخص-من شمال المتوسط قد لعبوا دوراً فاعلاً فى نقل الخبرات الأكثر تبلوراً للطبقات العاملة الأقدم فى التشكل والحركة ..فإن العمال المصريين سرعان ما اكتشفوا طريقهم وهم ينخرطون فى الحركة الوطنية للأمة المصرية جميعها والتى كانت تعيد اكتشاف نفسها وتخطو صوب مزيدٍ من التبلور وهى تبحث عن الاستقلال والحرية.

    شارك العمال المصريون مختلف طبقات وفئات الشعب المصرى ثورته الكبرى عام 1919 ، ليخرجوا منها وهم أكثر تعرفاً على هويتهم المصرية والطبقية.. وعلى امتداد العقود الثلاثة اللاحقة لهذا الميلاد الجديد شاركت الطبقة العاملة فى الكفاح الوطنى..وخاضت معاركها الخاصة من أجل تحسين شروط العمل والحق فى التنظيم المستقل.

    ..ومع التطور النسبى للرأسمالية المصرية ، والتوسع المطرد -على الأخص- فى صناعة الغزل والنسيج تنامت أعداد العمال المصريين..إلا أن الحركة النشطة ، والمعارك الطبقية المتواترة كان من شأنها تسريع اندماج القادمين الجدد فى صفوف الطبقة التى كانت تتشكل حقاً فى غمار الحركة.

    وإذا كانت الحركة العمالية-شأنها فى ذلك شأن كل حركة-قد عاشت خلال النصف الأول من القرن العشرين-لحظات من التقدم والتراجع ، من الانتصار والانكسار ..فإن المحصلة النهائية لكفاحاتها حتى عشية يوليو 1952 كانت نجاحاً فى انتزاع العديد من المكتسبات .. وتطوراً لا يستهان به فى اتجاه تبلور أدواتها التنظيمية المستقلة.

    فالنضال من أجل تحسين شروط العمل لم يؤدِ بها فقط إلى انتزاع عدد من المكاسب الجزئية فى هذا السياق ، وإنما إلى اعتراف مجتمعى بهذا الحق تمثل فى صدور قوانين العمل فى الأربعينيات..وإذا كانت هذه القوانين قد بقيت قاصرة عن تلبية الحد الأدنى المطلوب من شروط العمل المقبولة .. فإن المتابع للمناقشات البرلمانية ، وتصريحات زعماء حزب الوفد-حزب الأغلبية-فى ذلك الوقت يمكنه بكل تأكيد استخلاص الميل المجتمعى العام الذى كان قد تجاوز فعلياً ما نصت عليه قوانين العمل ، وهو الميل الذى كان طبيعياً أن يعكس نفسه فى مزيدٍ من النصوص القانونية لو أنه قد كتب له التطور فى نفس الاتجاه.

    ولم يكن تحسين شروط العمل هو الميدان الوحيد الذى خاضت فيه الحركة العمالية معاركها الطبقية..ففضلاً عن انخراطها المتزايد فى الحركة الوطنية المصرية وصولاً إلى تكوين لجان العمال والطلبة فى النصف الثانى من الأربعينيات .. كان نضالها من أجل حق التنظيم المستقل هو أبرز ما تميزت به هذه الحركة.

    لقد انتزعت الطبقة العاملة مكتسباتها فى ميدان التنظيم المستقل شبراً شبراً بحق.. تمكنت من تنظيم نقاباتها فى الواقع قبل الحصول على الاعتراف القانونى بهذه النقابات..واستطاعت التصدى لمحاولات السيطرة المتعددة التى تعرضت لها سواء من قبل القصر أو حتى حزب الوفد-حزب البرجوازية المصرية آنذاك-..وخلال هذه المعركة وتلك تشكلت ملامح الحركة المستقلة ، وتبلورت منظماتها بل وقياداتها..وشرعت خلال الأربعينيات الأخيرة تتطلع إلى تكوين اتحاد نقابات قومى لتدشن توحدها فى التنظيم النقابى الموحد الذى كان لم يزل شعاراً ومطلباً عندما انقلب وجه الحياة السياسية فى يوليو 1952.

    وبينما تفاءلت الحركة العمالية بحركة الجيش الوليدة.. فوجئت لدى أول بادرة لممارسة نفوذها وفاعليتها كحركة مستقلة فى إضراب عمال كفر الدوار عام 1952-الذى لم يكن سوى إضراب كغيره من الإضرابات- فوجئت بهذا المستوى من القمع الذى بلغ حد المحاكمة العسكرية غير العادلة ، وإعدام العـاملين مصطفى خميس والبقرى.

    أوضاع الطبقة العاملة ، والحركة العمالية ...كيف ، ولماذا ؟

    ربما يبدو التوقف الطويل عند الخمسينيات نوعاً من التزيد فى تناول أوضاع الطبقة العاملة المصرية-على الأخص-وأن زماناً طويلاً قد أضحى يفصلنا الآن عن هذه الأيام..إلا أن آية محاولة للعودة بهذه الأوضاع الآنية إلى أسبابها الأولى تبدو مستحيلة دون الرجوع إلى هذا الفصل الاستثنائى فى حياة هذه الطبقة-وسائر الطبقات الأخرى-ذلك أن المسار الذى اتخذته الأحداث فى هذا العقد قد ترتب عليه تطور أوضاع الطبقة العاملة على نحو بالغ التعقيد ، وعبر منعجرات ومنحنيات تبدو أحياناً بالغة الدقة ، وأحياناً أخرى بالغة الحدة لتصل بنا إلى ما يمكن اعتباره الأزمة الحالية.

    وعلى ذلك..فإن تناولنا لأوضاع الطبقة العاملة ، والحركة العمالية الآن يبدأ من هذه النقطة!!..ومن خلال النقاط التالية:

    • التسوية التاريخية u( المقايضة الضمنية بين الطبقة العاملة المصرية، وسلطة يوليو )
    • الطبقة العاملة والقطاع العام 
    • عقود الانقلاب ( تطور أوضاع الطبقة العاملة خلال العقود التالية )
    • أوضاع العمال المصريين الآن
    • الأزمة الراهنة
    • خاتمــــــــــة

     

    التسويـــــــة التاريخيــــــــــة

    ( المقايضة الضمنية بين الطبقة العاملة المصرية ، وسلطة يوليو )

    يكاد المؤرخون يجمعون على أهمية الدور الذى لعبته بعض القيادات النقابية فى أحداث مارس 1954 u ..ليس فقط فى حسم المعركة التى دارت رحاها بين معسكرى محمد نجيب وجمال عبد الناصر-لصالح الأخير- وإنما فى إرساء دعائم النظام الجديد وتوطيد أقدامه ..

    ولأنها كانت أحداث فارقة ليس فقط فى تاريخ الطبقة العاملة المصرية ..بل فى تاريخ بلادنا كله .. ربما كان مفيداً استرجاعها بتفاصيلها الأدق :

    ليلة 26 مارس 1954 اجتمع قادة نقابة نقل القاهرة فى مقر اتحاد النقل المشترك بالقاهرة داعين إلى إضراب عام للعمال .. بينما أعلنوا هم إضراباً عن الطعام ، وأذاعوا مطالبهم التى نقلها راديو القاهرة كما يلى :

    1. رفض عودة  الأحزاب السياسية.
    2. استمرار مجلس قيادة الثورة فى الحكم لحين جلاء القوات البريطانية عن البلاد.
    3. تكوين مجلس وطنى استشارى يضم ممثلى النقابات العمالية والتجمعات السياسية ..يناقش القرارات والإجراءات التى يزمع مجلس إدارة الثورة اتخاذها أو القيام بها.
    4. إلغاء الانتخابات.

    ووفقاً للإذاعة المصرية تبنى هذه المطالب كل من اتحاد عمال النقل المشترك بالقاهرة ، اتحاد كتبة وعمال المخازن ، النقابة العامة لسائقى التاكسى بالقاهرة ، اتحاد العمال الزراعيين ، نقابة مطابع القاهرة.

    فى اليوم التالى-السابع والعشرين من مارس- تباينت ردود الأفعال على الإضراب .. وبينما أصيبت مواصلات القاهرة العامة بالشلل ، وقف عمال الترام فى مواجهة الإضراب بقيادة محمود فرغلى أمين عام نقابة القاهرة الذى تعرض للاعتداء عليه من قبل بعض العمال وقيادات الشرطة ، وأجبرت بعض عربات الترام على التوقف عن السير .. أما نقابة مطابع القاهرة فقد أعلنت عدم قبولها المطالب التى تمـت إذاعتها ، وكذبت نبأ مشاركتها فى الإضراب..

    غير أن المقاومة الأشد لدعوى الإضراب ومطالبه جاءت من الإسكندرية التى اجتمع بها الكثيرون من قادة النقابات ، وأصدروا بياناً بمطالبهم التى بدت على الجانب الآخر تماماً ..وقد جاءت كالتالى:

    1. إلغاء قانون الطوارئ.
    2. حل مجلس قيادة الثورة.
    3. ضمان  الحريات الديمقراطية.
    4. الإفراج عن جميع العمال المحبوسين ،  وعودة جميع النقابات التى حُلت إدارياً.
    5. تشكيل اتحاد عام لنقابات العمال.
    6. شجب جميع المحاولات التى تهدف إلى تقسيم صفوف العمال.

    وقد أقر هذه المطالب أعضاء مجالس إدارات نقابات اتحاد النقل المشترك بالإسكندرية، والعديد من مصانع النسيج بها ، فضلاً عن عمال البحرية التجارية ، وعمال السينما،

    وقد تبنت مطالب عمال الإسكندرية عددٌ من نقابات القاهر ة التى أصدرت بياناً بها .

    وفى كفر الدوار تبنت نقابة شركة مصر للغز ل والنسيج قراراً يؤيد عودة الديمقراطية ، ويرفض دعوى الإضراب العام..فدخلت وحدات الجيش المصنع وأوقفت الآلات.

    ورغم هذا التباين الواضح فى المواقف الذى أعقب الإعلان الأول عن الإضراب .. إلا أن أياماً ثلاثة كانت كافية لإقناع- أو لإجبار- عدد كبير من النقابات على الإضراب .. وبحلول يوم 29 مارس امتلأت الشوارع بالمتظاهرين الذين جعلوا يهتفون .. " لا للأحزاب .. لا للديمقراطية " !!..

    اجتمع مجلس قيادة الثورة لينتهى اجتماعه إلى الإعلان عن تأجيل تنفيذ مقررات 25 مارس إلى يناير 1956-لكى لا تنفذ أبداً فى واقع الحال-.وفى أعقاب هذا الإجتماع يتوجه عبد الناصر ، وكل من صلاح سالم ، وكمال الدين حسين عضوى مجلس قيادة الثورة إلى مقر اتحاد النقل المشترك وكأنما لتدشين مرحلة جديدة فى العلاقة بين الطبقة العاملة والسلطة السياسية.

    ولعلها تبقى من المفارقات التاريخية أن يُكون الإضراب العمالى هو السلاح الذى تستخدمه الديكتاتورية العسكرية المعادية للحريات الديمقراطية-وعلى رأسها حق العمال فى الإضراب-لكسب معركتها..وأن يكون الإضراب العام الكبير الذى تم تنظيمه فى مارس 1954 دفاعاً عن استمرار هذه الديكتاتورية هو آخر إضراب كبير تستطيع الحركة العمالية تنظيمه لسنوات طويلة.

    وأياً ما يكن من أمر القادة النقابيين الذين أقدموا على عقد تلك الصفقة التاريخية ، وأياً ما يكن من أمر الأقاويل التى ما برحت تطارد ذكراهم وذكرى هذه الأحداث الجسام والتى تتعلق بحصولهم شخصياً على ثمن الصفقة-على الأقل ببقائهم فى مناصبهم كقيادات نقابية- ..فإن الأمر المؤكد والأجدر بالاهتمام فى واقع الحال هو ما تم إبرامه من تسوية ضمنية بين الحركة العمالية ونظام يوليو الجديد.. التسوية التى ربما عارضتها بعض القيادات النقابية فى البداية لكنها سرعان ما تحولت إلى أمر واقع لامرد له .. وأصبح الخروج عليها فى عداد المستحيلات .. ليس فقط بسبب الجيش الذى لم يعد إلى ثكناته ، وإنما بسبب القبول العمالى العام بها.

    هكذا .. تمت المقايضة الضمنية بين الطبقة العاملة المصرية والنظام الجديد ..مقايضة حركتها ، وأدواتها التنظيمية المستقلة بالحصول على مطالبها الاقتصادية ، وفى مقدمتها  العمل الدائم المستقر  . والأجر العادل-منسوباً إلى هيكل الأجور فى المجتمع- وساعات العمل المحددة قانوناً ، وإجمالاً شروط عمل أكثر عدلاً وإنسانية.

    وواقع الحال.. أن هذا الخيار الجديد لم يكن قصراً على الحركة العمالية وحدها .. فسائر الطبقات والفئات الشعبية-بل والطبقة البورجوازية ذاتها- كان مطروحاً عليها التخلى عن حركتها المستقلة ، ومقايضتها بالمشروع القومى المطروح آنذاك بما ينطوى عليه من طموحات التنمية المستقلة .. وواقع الحال أيضاً أن الشراسة الاستعمارية فى مواجهة محاولات تحقيق الاستقلال الاقتصادى النسبى ، والحرب الاستعمارية التى فرضت علينا-على الأخص- مع التواجد الإسرائيلى على الحدود ..كان من شأنها ألا تترك الخيار لأحد فى ظل إجماع ساحق وراء القيادة الجديدة التى اكتسبت شرعيتها بصورة لا تقبل الجدل بعد تأميم القناة وأحداث 1956.

    الطبقة العاملة والقطاع العام

    مع تأميم قسم ضخم من عناصر الثروة الرأسمالية وتحويلها إلى قطاع عام مملوك للدولة .. تأممت أيضاً كل مظاهر الحركة الشعبية المستقلة .. وتحول الشعب-بكل طبقاته وفئاته-إلى أفراد ..مجرد أفراد المظهر الوحيد لفاعليتهم السياسية هو إظهار التأييد للقيادة السياسية الرسمية..حيث صادرت الشرعية "الثورية" كما أطلق عليها كل صورة أخرى للشرعية فى ظل شبكة من القوانين الاستثنائية فى مختلف المجالات.

    وفى ظل القطاع العام الذى شمل مختلف أوجه الصناعة فيما عدا استثناءات قليلة.. تم تنظيم علاقات العمل من خلال قوانين عمل خاصة تقترب إلى درجة لا تبعد كثيراً عن المطابقة من قوانين العمل بالحكومة  .. وتحدد على سبيل الحصر كافة أوجه وتفاصيل هذه العلاقات بدءاً من الترقيات والعلاوات والإجازات ، وإنتهاءً بتقارير الكفاية والجزاءات.. وبينما شكل هذا القطاع القاعدة الأساسية لملكية الدولة وهيكلها الاقتصادى تم من خلاله تقديم الدعم للطبقات الشعبية سواء من خلال تثبيت أسعار منتجاته ، أو توفيره الخدمات الأساسية للعمال .

    اتسعت أعداد الطبقة العاملة اتساعاً نسبياً كبيراً .. بل وعرفت أيضاً تغيراً بنيوياً لا يستهان به ، فقد وفدت إليها أجيال جديدة من شباب مفعمى الحماس..على الأخص فى الصناعات الجديدة التى خاطبت أحلام التنمية المستقلة مثل صناعة الحديد والصلب والصناعات الحربية.. وتزايدت نسبة العمالة الفنية-على الأخص- مع التوسع فى التعليم الثانوى الفنى ,وانتشار مراكز التدريب التابعة للمصانع ذاتها.

    ومع فتح أبواب الترقيات أمام العمال أصبح الطموح إلى تقلد المناصب العالية فى القطاع العام غير محدود بأفق .. واختفت كلمة عمال لتحل محلها عبارة عاملين التى تشمل الجميع بدءاً من عامل حديث التعيين وحتى رئيس مجلس الإدارة..وبين الطموح الطبيعى إلى تقلد المناصب الإدارية العليا فى القطاع العام..والطموح المشروع لتعليم الأولاد-مع مجانية التعليم-كادت الهوية الطبقية أن تضيع..على الأخص مع خطاب تحالف قوى الشعب العاملة .. وبدلاً من النضال من أجل تحسين الأجور وشروط العمل .. أصبح انتظار الترقية ، والجهاد من أجل إثبات الحق فيها وسط تعقد القوانين التى تعاقبت واحداً تلو الآخر .

    وبغض النظر عن أن الصفقة الضمنية التى أدت إلى تخلى الطبقة العاملة عن حركتها وتنظيمها النقابى المستقل كان من شأنها تحويل التنظيم النقابى إلى مجرد إدارة من إدارت الحكومة أو القطاع العام ..وملحق من ملحقاتهما.. فإن التطورات التى لحقت بهيكل الطبقة العاملة ذاتها وبشروط عملها قد لعبت دورها أيضاً فى الإجهاز على النقابات العمالية المستقلة..فالأجيال الجديدة من العمال التى انضمت إلى صفوف الطبقة مقطوعة الصلة بتراث نضالاتها فى الثلاثينات والأربعينات لم تكن لتعرف شيئاً من المعارف أو الخبرات النقابية وماكان لها أن تعرف فى ظل الغياب شبه الكامل للحركة العمالية المستقلة ..كما أن الصورة السائدة لعلاقات العمل فى القطاع العام والتى كان القانون ينظمها حتى أصغر صغائرها لم تدع مجالاً للنضال المطلبى ودوره المعتاد فى تنمية الوعى العمالى وصهر العمال الجدد فى السبيكة الطبقية.. وفى ظل هذا الوضع الذى لم يعد ممكناً فيه الحصول على مكتسبات جزئية ومحدودة ، وإنما أصبح تحسين شروط العمل مرتبطاً فقط بتغيير القوانين والذى لم يكن ليتأتى بغير مساومة عامة على المستوى المجتمعى حتى ولو كانت ضمنية .. فى ظل هذا الوضع لم يعد للنقابات-التى كانت دائماً أدوات العمال فى النضال من أجل تحسين شروط العمل- من دور ..اللهم إلا معاونة الإدارة فى تقديم الخدمات ، أو تنظيم بعض الأنشطة الترفيهية.

    هكذا.. فقد العمال تنظيمهم النقابى ، وعندما اشتدت حاجتهم إليه فوجئوا به مسلوباً منهم تماماً ..بحكم القانون وبحكم الواقع ، وبات عليهم أن يجهدوا جهداً مريراً من أجل استعادته.

     

    عقــــود الانقـلاب

                            ( تطور أوضاع الطبقة العاملة خلال العقود التالية )

    رغم قصر ذلك الزمان-زمان المشروع القومى- منسوباً للعقود الطويلة التى أعقبته إلا أنه بدا من الطول بمكان حتى أنه ترك آثاره البعيدة على هذه العقود التى خلفته .. فرغم ما حملته معها سنوات السبعينيات من تغيرات كبرى .. رغم انتهاء خطاب تحالف قوى الشعب العاملة ، وتحطم طموحات الاستقلال الاقتصادى والتنمية الوطنية على صخرة النكسة المريرة وما تلاها.. فإن العمال المصريين ظلوا متشبثين بالأرض التى وقفوا عليها فى الستينيات عاجزين عن مغادرتها زمناً طويلاً.

    انشغلت الطبقة العاملة بالدفاع عن القطاع العام-صرحها الأثير-عقدين كاملين ، بل أنها دافعت عنه- وحدها تقريباً-حتى الرمق الأخير ..وبينما كانت الطبقة الوسطى بفئاتها المختلفة قد تنكرت لهذا القطاع العام الذى حمل أوزار الفساد والبيروقراطية بل وحتى الاستبداد السياسى !!..بقيت الطبقة العاملة تعرف فيه مكان العمل والرزق الذى ينبغى الدفاع عنه ومصدر الأمان الاجتماعى الذى ما من مصدر سواه.

    وبغض النظر عن أوهام الملكية العامة التى ارتبطت بالقطاع العام.. وعن المدى الذى ذهبت إليه الطبقة العاملة فى ابتلاع الطعم والوقوع فى شراك هذه الأوهام ..فإنه لا يمكن بحال القول بأن دفاع الطبقة العاملة عن القطاع العام لم يكن إلا نتيجة الوقوع فى هذه الشراك .. ذلك أن ما كانت تتمسك به الطبقة العاملة فى القطاع العام لم يكن ملكيتها الوهمية له ، وإنما مصالحها المباشرة وحقوقها التى ارتبطت به ارتباطاً وثيقاً للأسباب الآتية:

    كانت وحدات القطاع العام بالنسبة للعمال هى مكان العمل ، ومصدر الرزق الدائم المأمون الذى لا يتهدده الضياع مثلما هو حال العمل فى القطاع الخاص.

    الدعم الذى تقدمه الدولة للطبقات الشعبية وفى مقدمتها العمال بالقطاع العام ، وذلك من خلال سلعه المدعومة مثبتة الأسعار.

    ارتباط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال ارتباطاً وثيقاً بالقطاع العام ..حيث يتمكن العمال من الحصول على العلاج عن طريق شركاتهم ، كما أن فرصتهم الوحيدة فى المسكن هى عن طريق مشاريع الإسكان الصناعى ، والمساكن العمالية..وحتى تعليم الأبناء كثيراً ما كانت وسيلته فى مراكز التدريب المهنى التابعة للقطاع العام.

    وليس هذا كل ما فى الأمر ..بل أن التأمين الاجتماعى ضد الشيخوخة والعجز والمرض يرتبط ارتباطاً وثيقاً فى مجتمعنا بالعمل ، حيث لا يُكتسب الحق فى هذا التأمين بغير سداد الاشتراك التأمينى الذى لا يتحقق بغير العمل المستقر الدائم.

    ولكيلا يبادرنا أحد بالتساؤل عما إذا كان من الصحيح توفير مثل هذه الحقوق عبرشركات القطاع العام؟ ..وهل يمكن أن تكون هذه وظيفتها؟ ..ألم يؤدِ تحميلها بكل هذه الأعباء إلى خسارتها واختلال ميزانياتها ووقوعها فى أسر الديون الطائلة؟ .. ينبغى القول بأن اختيار مثل هذه الطريقة فى تقديم الدعم للطبقات الشعبية أو لبسط شبكة الضمان الاجتماعى من خلال القطاع العام لم يكن سوى اختيار الدولة الذى لا يتحمل وزره العمال ..أما الأمر الهام هنا فهو أن توفير الضمان الاجتماعى والحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ( حقوق السكن والعلاج والتعليم ) هو واجب المجتمع والدولة ..وأن انهيار القطاع العام قد أدى عملياً إلى انهيار شبكة الضمان الاجتماعى " بالمعنى الواسع للكلمة ".. بينما لم يتم تطوير شبكة بديلة يمكنها أن تكفل الحقوق الأساسية للعمال والطبقات الشعبية عموماً .

    مع بداية التسعينات وصدور القانون رقم 203 لسنة 1991 تحول القطاع العام إلى قطاع أعمال عام إيذاناً ببدء العد التنازلى لانتهاء زمانه.. حيث شهد العقد الأخير تصفية عدد لا يستهان به من شركاته ، بينما بيع البعض الآخر الذى تقلصت عمالته إلى أقصى حد ..ليتغير تماماً الميزان النسبىفى الهيكل الاقتصادى المصرى بين هذا القطاع الآفل ، والقطاع الخاص الذى تزايد دوره ، وعدد وحداته فى نفس الوقت.

    لقد كان من شأن هذه المتغيرات الكبرى أن تؤثر على بنية الطبقة العاملة وأوضاعها أبلــــــــغ التأثير وذلك على النحو التالى:

    أولاً : تغير بنية الطبقة العاملة

    ربما لا تكمن المشكلة التى عاشها عمال قطاع الأعمال بالذات فى الإتجاه إلى خصخصته أو بيعه..وإنما فيما عرف بعملية إعادة هيكلة العمالة فى وحداته ، والتى لم تكن فى واقع الأمر سوى خطة تقليص العمالة بنحو الثلثين تقريباً ..وقد بدأت أولى خطوات هذه العملية فى واقع الحال منذ أواخر الثمانينات عن طريق الخفض السلبى للعمالة ( وقف التعيينات مع الخروج الطبيعى على المعاش ) ..ثم جعلت منذ منتصف التسعينات تتخذ مساراً مباشراً متسارعاً مع التقدم الحثيث فى عمليات إعادة هيلكة الاقتصاد المصرى ..حيث الخروج الدرامى لأكثر من مائتى ألف عامل من عمال قطاع الأعمال العام بنظام المعاش المبكر الذى انتهى بالطبقة العاملة ربما  إلى أقسى وأشد ما تعرضت له من تغير بنيوى على امتداد تاريخها.. رحل الحرس القديم حاملاً معه تراثه الطويل، والتحق شباب جدد على أرض جديدة ..هناك فى شركات القطاع الخاص حيث شروط العمل التى ربما تعود بنا إلى ما قبل صدور أول قانون عمل فى بلادنا ، وفى غياب أى تنظيم نقابى.

    وفضلاً عن ذلك يتغير أيضاً الوزن النسبى للقطاعات الصناعية المختلفة..تتراجع الصناعات المعدنية ، وصناعة الغزل والنسيج ذات التاريخ العريق ، وتتزايد المساحة التى تتحتلها صناعة الخدمات ، وصناعة السياحة ، كما تظهر العمالة غير الرسمية على خريطة القوى العاملة محتلة مكاناً جديداً ، وطارحة أوضاعاً ، وإشكاليات جديدة للعمل.

    ثانياً : البطــــــــــــــــــالة

    لم يكن التغير الوحيد الذى شهدته بنية الطبقة العاملة هو خروج عمال قدامى ، وانضمام عمال جدد ، وتغير الأوزان النسبية للقطاعات المختلفة ..وإنما هناك أيضاً الوزن النسبى المتزايد لعدد العاطلين ضمن إجمالى قوة العمل (والذين تبلغ نسبتهم 11.3 طبقاً لتقرير البنك الدولى للتنمية عام 2000، و8.3 طبقاً لتقديرات الحكومةu. فضلاً عن تقديرات أخرى متباينة  u). حيث غنى عن الذكر ما يؤدى إليه ذلك من إضعاف الموقف التفاوضى للطبقة العاملة ككل-على الأخص-عندما يقف على الطرف الآخر رجال أعمال لا يرى الكثيرون منهم فى الحقوق العمالية أكثر من معــوقات بيروقراطية لا مبرر لها ..كما أنه غنى عن الذكر أيضاً الآثار الاقتصادية والاجتماعية لوجود مثل هذا العدد من المتعطلين المبعدين عن شبكة الضمان الاجتماعى التى لا سبيل للاحتماء بها لغير العاملين.

    وفى ظل الأوضاع الراهنة يصعب التنبؤ بانخفاض هذه النسبة على أى نحو-بل على العكس- تؤدى السياسات المتبعة إلى مفاقمتها .. وذلك على النحو الآتى:

    • تقلص عدد العاملين فى وحدات قطاع الأعمال العام ( القطاع العام سابقاً ) من مليون ومائتى ألف عامل )1200000) فى الثمانينات .. إلى 423608 عامل حتى 30/6/2001u. وهو التقلص-أو بالأحرى التقليص-الذى جرى تحت تأثير جملة من السياسات الطاردة لهؤلاء العمال بدءاً من مشاريع المعاش المبكر ، وانتهاءً باستخدام التعسف الإدارى لتشديد شروط العمل.
    • يؤدى نظام المعاش المبكر إلى التزايد المطرد فى أعداد المتعطلين.. حيث كثيراً ما يشمل هذا النظام خروج عمال فى سن الأربعين والخامسة والأربعين ، وغنى عن الذكر أن هؤلاء يحاولون بعد خروجهم البحث عن فرص عمل جديدة ، فتزداد المنافسة على فرص العمل المتاحة.
    • الطريقة التى يتم بها الاستثمار ، ونوعية المشروعات التى يتم فيها الاستثمار لا تساعد على أى نحو على مواجهة مشكلة البطالة بل على العكس تفاقمها .. حيث يبتعد رجال الأعمال المصريين عن الاستثمار فى الصناعات كثيفة العمالة .. كما أن الكثيرين منهم قد يلجأون إلى تصفية مشروعاتهم ، وتغيير نشاطهم-تاركين عمالهم مجهولى المصير- بعد انتهاء فترة التمتع بالإعفاء الضريبى ، أو استنفاذ إمكانيات الحصول على ائتمان .. ومن الأمثلة الراهنة فى هذا الشأن عمال الشركة المتحدة للكيماويات بمدينة العاشر من رمضان الذين اضطروا للاعتصام بمصنعهم قرابة العام بسبب عدم تقاضيهم لأجورهم اعتباراً من  سبتمبر 1999 !! .. حيث قام صـاحب المصنع ( مختار رمضان) برهن المصنع لأحد البنوك ( المصرف العربى الإسلامى) .. بعد تراكم ما حصل عليه من ائتمان ، بينما قام-فى نفس الوقت- بشراء مصنعين جديدين!!.
    • برغم الحديث عن تشجيع الصناعات الصغيرة إلا أن السياسات المتبعة فى هذا المجال لا تتيح الفرصة أمام نمو هذه الصناعات .. فالقروض التى يقدمها الصندوق الاجتماعى للتنمية أقل كثيراً من أن تفى بأغراض تأسيس مشروع صغير .. وكثيراً ما ينتهى الأمر بعجز المقترض عن الوفاء بديونه مما يفاقم من مشكلته .. كما أن التعويض الذى يتلقاه الخارجون على نظام المعاش المبكر ، لا يمكن للحاصل عليه أن يجازف بالدخول به فى أى مشروع مهما صغر- حيث لا يتجاوز التعويض فى حده الأقصى خمســــة وثلاثين ألف جنيه-وعادة ما يتبدد فى الشئون الحياتية ، ولا يبقى لصاحبه سوى معاش ضئيل لا يكفى للوفاء بأقل احتياجاته .وفضلاً عن ذلك كله .. فإن فرصة النمو أمام المشروعات الصغيرة تكاد تكون منعدمة بسبب أوضاع الكساد ،والضيق المتزايد للسوق المصرى .
    أوضاع العمال المصريين الآن

    ربما يرى البعض-عن حق-أن تطبيق سياسات التكيف الهيكلى والخصخصة فى بلادنا قد تم بصورة تدريجية .. إلا أن الأمر المؤكد أن العمال المصريين قد تحملوا القسم الأكبر من فاتورة تطبيق هذه السياسات على الأخص منذ سبع سنوات فيما أعقب التوقيع على اللوائح فى شركات قطاع الأعمال العام فى يوليو 1995 ، وانحسار مظلة القانون رقم 48 لسنة 1978 عن عماله.

    والسطور القادمة هى محاولة للتبع أحوال الطبقة العاملة المصرية على أرض الواقع فى ظل سياسات الخصخصة وإعادة هيكلة الاقتصاد المصرى-بكل ما أسفرت ، وما ينتظر أن تسفر عنه- من تغير فى علاقات العمل

     

    أولاً : الفصل من العمل

    ارتفعت معدلات الفصل من العمل ، وإنهاء الخدمة خلال السنوات الأخيرة ارتفعاعاً مضطرداً.. ويرجع هذا الارتفاع الملحوظ إلى تزايد أعداد الضحايا فى شركات قطاع الأعمال العام التى لم تشهد من قبل مثل هذا التوسع المطرد فى استخدام سلاح الفصل .. فضلاً عما يحدث فى القطاع الخاص الذى يعتقد أصحابه فى حقهم المطلق فى التخلص من العمال وقتما يشاءون.. وعادة ما يتخذ الفصل سبيله على النحو التالى:

    • فى منشآت القطاع الخاص يتم الفصل إما بالمخالفة الصريحة للقانون ، أو بالتحايل الفظ عليه .. فالكثير من أصحاب الأعمال لا يعترفون حتى باللجان الثلاثية-التى يتعين عرض العامل عليها قبل فصله وإلا وقع قرار الفصل كأن لم يكن من الوجهة القانونية-فعنجهية المالك التى ترى العامل مملوكاً تأبى تكييف العلاقة بينهما بوصفها علاقة قانونية تلزم كل منهما بواجبات وتقر له بالحقوق .. كما تأبى عرض الأمر بوصفه منازعة والاحتكام إلى لجنة ما حتى ولو كان رأيها استشارياً كما هو حال اللجنة الثلاثية .. وهو لذلك يقوم بفصل العامل مباشرة .. أحياناً بدون أى تحوط أو اهتمام بالقانون-ربما لأنه لم يسمع عنه ، أو لأنه وهذا هو الأغلب لا يعترف به .. والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها شركة المستلزمات الطبية التى قامت بفصل 21 عاملاً دون العرض على اللجنة الثلاثية عام 2000 ، مجموعة شركات لقمة للكيماويات والتى يقترب عدد العمال المفصولين من خمسين عاملاً خلال الشهور الست الأخيرة ، شركة السامولى للغزل والنسيج التى قامت بفصل ستة عمال دفعة واحدة فى أعقاب إضراب عمالى بالمصنع لعدد محدود من الساعات احتجاجاً على تخفيض الأجور وتغليظ الجزاءات بغير مبرر واقعى أو قانونى.
    • دائماً ما يكون عقد العمل المحرر بين العامل وصاحب العمل عقداً مؤقتاً.. فمهما امتدت علاقة سنوات وسنوات لا تتجاوز مدة العقد شهور قليلة , وعادة ما تتم إعادة تحريره بمدة جديدة بعد " قطع المدة" وهو مصطلح معروف يفيد إسقاط مدة معينة قبل تاريخ العقد الجديد حتى يتعذر على العامل إثبات الطبيعة الدائمة لعلاقة العمل .. والغريب فى الأمر أن عدوى العقود المؤقتة وخبرة قطع المدة قد انتقلتا أيضاً من القطاع الخاص إلى شركات قطاع الأعمال العام التى برعت فيهما-ربما أكثر من أصحاب منشآت القطاع الخاص لكونها أشد اكتراثاً بالقانون ، وبالتالى بالتحايل عليه!!-بل وصل الأمر أيضاً إلى الهيئات العامة مثلما حدث فى الهيئة العامة للمعارض التى قامت بفصل 25 عاملاً تحت مسمى انتهاء عقودهم المؤقتة .
    • شرع الكثيرون من رجال الأعمال الآن إلى اختصار الطريق ، وإجبار العامل قبل تسلمه العمل على توقيع استقالة غير مؤرخة مصحوبة باستمارة 6 (الخاصة بتصفية المستحقات التأمينية ) .. وعلى هذا النحو يتم فصل العامل دون سبب أو إعذار.. فإذا ما ذهب بشكواه إلى مكتب العمل ( التابع لوزارة القوى العاملة ) ، ثم القضاء .. تظهر أمام أى من الجهتين مستندات صاحب العمل فإذا بها استقالة العامل موقعة منه ، ومؤرخة بتاريخ الفصل-بطبيعة الحال-وعلى هذا النحو تذهب الشكوى أو القضية إلى الجحيم.. أما إذا لم يتحسب صاحب العمل من قبل لحاجته إلى التخلص من العمال بمثل هذه الاستقالات فقد يعمد بأساليب قمعية أخرى إلى إجبارهم على تقديم هذه الاستقالات كما حدث فى شركة كادبورى التى أجبرت مائة عامل على تقديم استقالاتهم دفعة واحدة.
    • وفضلاً عن كل ما سبق-وربما  أخطر منه- حالات الفصل بالجملة التى تتم بذريعة المشاكل الاقتصادية للمنشأة وبمبررات من توقفها الجزئى أو تغيير نشاطها ، وهذه الحالات لا حصر لها .. وبينها ما حدث لعمال الشرق الأوسط للبلاستيك ، ومصنع سجاد المحلة ، وكذلك مصنع دولسى المملوك لشركة نسلة ، ومؤخراً مصنع فوزى على للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى.
    • أما فى شركات قطاع الأعمال العام فإن الفصل من العمل يتم بطريقتين أساسيتين : 

    1-يتم توقيع الفصل على العامل كعقوبة أو جزاء لارتكابه مخالفة ما .. وعادة ما يفاجئ العامل بكون المخالفة المنسوبة إليه تصل عقوبتها إلى الفصل- وقد كانت من قبل لا تستوجب أكثر من الجزاء البسيط- ذلك أن أحداً فى هذه الشركات لا يهتم بالإعلان عن لائحة الجزاءات خلافاً لما ينص عليه القانون .. بل أنهــــــا كثيراً ما تبدو وكأنها سر الأسرار الذى تتكتمه كل من الإدارة والنقابة حتى يشهر سيفه فجأة فى وجه العامل.. وعلى أية حال قد يتم الفصل دون أدنى التفات إلى نصوص اللائحة ، وربما القانون .. ولعل أبرز الأمثلة-وأشهرها- على ذلك قيام شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى- فى نهاية عام 1999-بفصل عاملين لدخولهما العمل من بوابة غير البوابة المخصصة لهما !!.. وعادة ما تلتزم شركات قطاع الأعمال العام بعرض العامل على اللجنة الثلاثية  التى تعترض على مخالفة قرار الفصل لنصوص اللائحة أو القانون.. ورغم أن رأيها- الاستشارى- يضرب به عرض الحائط دون أدنى مواربة .. إلا أن قرار الفصل يكون قد استوفى أوضاعه الشكلية !!.      

    2-قد يتم توقيع الفصل بسبب تجاوز العامل لأيام الغياب المنصوص عليها فى القانون .. حيث تتحايل الكثير من الإدارات بعدم إعطاء العامل إجازته المرضية-حتى ولو كان مريضاً بأحد أمراض المهنة المزمنة-فيفصل نتيجة مرضه .. وقد وصل الأمر إلى فصل المعوقين المعينين ضمن النسبة المحددة قانوناً لتشغيل المعوقين!!.          

    وبغض النظر عن أسباب الفصل .. فإن الأمر المؤكد هو ارتفاع معدلاته فى شركات قطاع الأعمال العام على نحو خطير ، وتحوله إلى سياسة عامة يتم تطبيقها على أوسع نطاق ممكن .. ربما كوسيلة مباشرة للتخلص من العمال ، وربما لتكثيف الشعور بالخوف والقلق على المستقبل .. حتى يصبح قبولهم بالخروج على نظام المعاش المبكر أمراً مؤكداً..( فالبطالة مع التعويض أفضل من البطالة بغير تعويض).

     

    ثانياً : الحق فى أجر عادل

    أجور العمال المصريين تنقسم من الناحية الفعلية إلى أجور أساسية ، وأجور متغيرة ( حوافز ، بدلات..)

    * والأجر الأساسى هو ما ينص عليه القانون رقم 137 لسنة 1981 ، وما يدخل عليه من علاوات سنوية تنظمها القرارات التى تصدر وفقاً له .. والحد الأدنى لهذا الأجر بعد كل الزيادات التى تم إدخالها عليه هو حــــــوالى 90 جنيه مصرى شهرياً.

    * أما الأجر المتغير للعمال ، والذى يعتمدون عليه اعتماداً أساسياً فإنه لا ينظمه أى قانون ، أو قاعدة عامة .. وإنما تنظم البعض منه لوائح الشركات ، أو القرارات الإدارية فى قطاع الأعمال العام.. بينما يخضع تماماً لإرادة صاحب العمل فى القطاع الخاص ، وقد جعل هذا الأجر يتعرض لانخفاض مستمر خلال الأعوام الأخيرة :

    • ففى وحدات قطاع الأعمال العام يتم الانتقاص من هذا الأجر بصورة مستمرة كوسيلة من وسائل إكراه العمال على ترك العمل ، والأمثلة لا حصر لها لتخفيض الحوافز ( على سبيل المثال شركة الكابلات ، وشركة سيمو ) ، والإجهاز على بدل طبيعة العمل كما فى شركة سيفيكا .. أما منحة عيد العمال فقد تتابعت الشركات فى التوقف عن صرفها عاماً بعد عام..وربما كان جديراً بالذكر هنا أن شعارات الإصلاح ، وترشيد الإنفاق فى شركات قطاع الأعمال العام ليس لها سوى وجه واحد هو تخفيض بند الأجور فى الميزانية .. حيث هناك أجور ، وأجور .. أجور وبدلات تسن لها القوانين لرفع حدها الأقصى ، وأجور ومزايا يجرى الانتقاص منها يوماً بعد يوم.
    • أما فى وحدات القطاع الخاص ، فغنى عن الذكر ما تؤدى إليه شروط البطالة ، وغياب الحماية القانونية ، والنقابية إلى انخفاض الأجر على نحو خطير..كما أنه غنى عن الذكر أيضاً أن انخفاض الحد الأدنى القانونى للأجر يؤدى عملياً إلى إهدار حقوق العمل الأخرى والتى يضطر العامل للتنازل عنها مقابل الحصول على أجر يكفيه وأولاده شر الجوع ..وعلى سبيل المثال فى مصنع السامولى للغزل و النسيج بالمحلة الكبرى يضطر العمال إلى العمل اثنتى عشرة ساعة يومياً وبدون آية إجازات-بما فى ذلك يوم الجمعة-حتى يتمكنوا من الحصول على حوالى مائة وثمانين جنيه شهرياً (180ج) .
    • وفضلاً عن التخفيض المطرد غير المعلن للأجور المتغيرة للعمال .. فإن واحداً من أبرز مظاهر الاعتداء على الحقوق المكتسبة للعمال هو ما يسمى بتخفيض الإنفاق على الخدمات فى شركات قطاع الأعمال العام-وذلك على الأخص-فيما يتعلق بالمواصلات والعلاج.. فطوال الأعوام السبعة السابقة عمدت الكثير من الشركات-وربما غالبيتها العظمى- إلى تخفيض عدد العربات التى تقل العمال من وإلى أعمالهم.. حيث يؤدى ذلك عملياً إلى خروج أعداد متزايدة من نطاق الخدمة ، وهم-بطبيعة الحال- الأقل فى الدرجة الوظيفية- أما الخدمات العلاجية فإنها المجال الأكثر خطراً والأوسع انتشاراً للاعتداء على الحقوق تحت مسمى ترشيد الإنفاق.. حيث يتم تقييد تذاكر العلاج ( الروشتات ) التى تصرف  للعمال بحـــــد أقصى بحيث لا تتجاوزه قيمة الدواء مهما بلغ أمر المرض ، فضلاً عن تقييد التحويل للمستشفيات بقيود-حتى يضطر بعض العمال إلى الذهاب للشركة أولاً- ربما بين الحياة والموت-للحصول على إذن تحويل التحويل للمستشفى-لأنها لا تقر بالحالة إذا كان العامل قد دخل المستشفى أولاً ( شركة النصر لصناعة السيارات) .. ويصل الأمر-ربما فى جميع شركات قطاع الأعمال العام إلى حد تحديد عدد العمال المسموح بترددهم على العيادات يومياً , فلا تشمل الخدمة ما يزيد عليهم-والدخول بأسبقية الحجز !!.. وكذلك تحديد عدد مرات تردد العامل على العيادة !! ..، وكأنما يمكن تقييد المرض بقيود تقليص الإنفاق !!.

     

    ثالثاً : التعسف الإدارى ، وتشديد شروط العمل

    • بينما  تتزايد نسبة عمال القطاع الخاص-إلى مجمل قوة العمل-زيادة مطردة.. يخضع هؤلاء لشروط وعلاقات عمل بالغة القسوة على نحو غير مسبوق .. حيث يعملون بغير حماية قانونية أو نقابية ، ويضطرون للتوقيع على استقالاتهم ، ومسوغات إنهاء خدمتهم قبل استلام العمل نزولاً على شروط صاحب العمل الذى عادة ما يوقع معهم عقود عمل مؤقتة قابلة للإنهاء فى أى وقت ، وفى ظل عقود الإذعان هذه يصبح العمل لساعات طويلة غير محددة ، خارج شبكة التأمينات الاجتماعية ، وتحت أقسى الشروط .. ويصبح تشكيل منظمات نقابية أمراً يقترب فى صعوبته من المستحيل ، حيث يعاقب العامل على مجرد التفكير فى تكوين النقابة-فضلاً عن اتخاذ خطوات فى سبيلها-بالفصل الفورى من العمل.
    • أما فى شركات قطاع الأعمال العام فقد أصبح التعسف الإدارى واقعاً يومياً فى حياة العمال .. تتراوح مظاهره بين تغليظ الجزاءات إلى حد مجاوزتها للقانون بل واللائحة فى الكثير من الأحيان.. وبين الأشكال المختلفة لتشديد شروط العمل كالتعنت فى الإجازات ، أو تعديل نظم العمل ( الورادى مثلاً ) مثلما حدث فى شركة مصر الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى .. وقد يصل الأمر فى ذلك الشأن إلى حد توقيع الجزاءات الجماعية على عمال قسم أو عنبر بأكمله بالحرمان من الحافز مثلاً.. كما حدث فى شركة ميت غمر الدقهلية .. أما فى شركة الحديد والصلب المصرية فحدث ولا حرج .. الحرمان من الحافز عقوبة مفتوحة لا تخضع لأى ضابط فهى حق مطلق لرئيس مجلس الإدارة ينزله على أى عدد من العمال وقتما شاء دونما حدود أو سبب ، ورغم أن الحرمان من الحافز هذا يؤدى إلى تجويع العامل وأسرته  حيث يمثل الحافز أكثر من ثلاثة أرباع أجره ..إلا أنه قد يستمر شهوراً أو أعوام-والغريب فى الأمر أن الحرمان من الحافز ليس أحد الجزاءات المنصوص عليها فى القانون أو اللوائح !!.أى أنه يمثل مخالفة صريحة للأحكام القانونية ولكنه يتم دون رادع !!
    • ربما كان آخر الأمثلة المأساوية على هذا التعنت الإدارى اللا إنسانى هو وفاة أحد عمال شركة الحديد والصلب المصرية يوم 19مايو الحالى فى مكتب السيد/ رئيس مجلس الإدارة ..وهو العامل معتصم على محمد على من قطاعات الصلب بالشركة .. والذى كان قد سبق إجراء جراحة فى القلب.وأثناء فترة نقاهته حصل العامل على إجازة بنسبة 75% من الأجر ..فتقدم بطلب للحصول على إجازة بنسبة 100% من الأجر ..غير أنه فوجئ باستدعاء السيد/ رئيس مجلس الإدارة له وتخييره بين الحرمان "المفتوح" من الحافز أو التقدم بطلب الخروج على نظام المعاش المبكر " الاختيارى"!!..ولم يستطع العامل تحمل الخيار القاسى ..فسقط فى الحال.
    • وقد يصل الأمر أيضاً إلى الامتناع عن احتساب الإجازات العارضة للعمال ، وإلى التعنت فى تحديد ميقات الإجازة على خلاف رغبة العامل دون مبرر من ضرورات العمل.. بل إن البعض من الشركات-شركة سيماف بحلوان مثلاً- ترفض إعطاء العمال إجازاتهم ، ثم ترفض احتسابها كرصيد وترحيلها إلى الأعوام التالية .. فى تحايل واضح على القانون نتيجة صعوبات إثبات العامل لطلبه الإجازة ، وعدم قدرته على الحصول عليها بدون موافقة !!.
    • .. هكذا .. تتحول شروط العمل فى شركات قطاع الأعمال العام إلى جحيم .. فيصبح الخروج إلى المعاش المبكر حلاً مقبولاً إذا ما تم عرضه .. حيث يقبله العامل " باختياره" !!.

     

    رابعاً : الإكراه على المعاش المبكر " الاختيارى"

    • دخل المعاش المبكر إلى شركات قطاع الأعمال العام مصحوباً باحتمالات تصفية هذه الشركات أو بيعها فى أفضل الأحوال .. بينما كان تعسف الإدارات قد مهد أمامه الطريق جاعلاً منه طوق النجاة من مخاطر الفصل التعسفى .. وعندما يصبح المجهول قدراً لا فكاك منه يبدو القفز فى هذا المجهول مع التعويض أفضل من انتظاره بغير تعويض !!
    • .. غير أن شهوراً قليلة كانت كافية ليتبدد وهم التعويض الذى لم يصلح لغير سداد الديون ، ولم يصمد أمام أول مناسبة سارة أو غير سارة اعترضت الأسرة-أو أنه لم يكن كافياً-فى أفضل أحوال الحذر ,والحيطة-للدخول فى أى من المشروعات الصغيرة-على الأخص-مع انتشار هذه المشروعات إلى الحد الذى يصبح معه صمود أى منها للتنافس أمراً فى حكم المحال.. ومع امتناع الصندوق الاجتماعى عن تقديم أى قروض للخارجين على نظام المعاش المبكر .. وهكذا .. تبدد التعويض ، وبقيت البطالة ، والمعاش الزهيد.
    • .. لقد أدت خبرة الدفعة الأولى من الخارجين على نظام المعاش المبكر إلى تزايد رفض العمال لهذا النظام ..فتحول"الاختيار" الذى يدفع إليه التعسف وشروط العمل المتردية إلى إكراه صريح ، وهناك بعض الأمثلة على ذلك:
    • عمال الشركة المصرية للحراريات بحلوان( هندال) الذين حرمتهم الشركة من حوافزهم لإجبارهم على التوقيع على استمارات المعاش المبكر ، مما دفعهم إلى الاعتصام بالشركة طوال شهر إبريل 2000 ، مما اضطرت معه الشركة إلى صرف أجورهم وحوافزهم كاملة ، والدخول معهم فى مفاوضة جديدة انتهت إلى تعديل شروط الخروج بنظام جديد لاحتساب التعويض.
    • أجبرت شركة النصر لإنتاج الحراريات والسيراميك (سورناجا) بالصف-الجيزة-عمالها على التوقيع على استمارات المعاش المبكر ، ولدى إصرار 15 عاملاً منهم على عدم التوقيع ، تم منحهم إجازة مفتوحة إجبارية ومنعهم قسراً من دخول الشركة (فى فبراير عام 2000)  ، ليترتب على ذلك حرمانهم من الأجر المتغير  أى تقاضيهم الأجر الأساسى فقط (حوالى 150 جنيه شهرياً)..وعندما رفض  15 عاملاً آخرين تقديم استقالاتهم وفقاً لهذا النظام قامت الشركة بفصلهم من عملهم ، وتهديدهم بعدم صرف التعويض إذا ما ظلوا على رفضهم..وإن كان الخمسة عشر عاملاً قد استطاعوا بصمودهم الطويل تعديل شروط الخروج على المعاش ومعادلات احتساب التعويض ، كما نجح البعض منهم فى الحصول على فرصة عمل جديدة بشركات أخرى ( تم نقلهم إليها بقرار من الشركة القابضة)..إلا أنه غنى عن الذكر أن كثيرين غيرهم لم يتمكنوا من الصمود أمام الضغوط المختلفة التى يتعرضون لها.
    • والجدير بالذكر هنا أن هؤلاء العمال-المذكورين أعلاه- جميعاً تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والأربعين ، وهم لذلك ليس لهم الحق فى أى معاش شهرى تأمينى لدى خروجهم .. أى أننا لسنا بصدد معاش مبكر بأى حال من الأحوال ، وإنما فصل جماعى بتعويض كما أنه جدير بالذكر أيضاً أنه بين هؤلاء العمال الرافضين كان هناك ثلاثة من المعوقين المعينين ضمن النسبة المفترضة قانوناً .

    خامساً : الضمان الاجتماعى والحق فى الخدمات

    ..لما كانت شبكة الضمان الإجتماعى كما سبق الذكر قد ارتبطت بالقطاع العام ارتباطاً وثيقاً ..فإن الخروج من العمل دائماً ما يؤدى إلى انهيار مختلف أشكال الدعم الاجتماعى والخدمات التى كان يمكن للعامل الحصول عليها .. حيث يحرم العامل من العلاج على نفقة الشركة ، ويصبح تعرضه لمرض يستدعى عملية جراحية ، أو علاجاً باهظ التكاليف كارثة محققة.. كما تتهدد العمال الذين يقطنون مساكن الشركات-لدى خروجهم من العمل- مخاطر الإخلاء الذى لا تكف هذه الشركات عن إشهار سلاحه فى وجه عمالها المحالين إلى التقاعد.

    ..وفضلاً عن ذلك..ينقص الضمان الإجتماعى فى بلادنا جانبٌ بالغ الأهمية ألا وهو تأمين أو تعويض البطالة ..ذلك أن التعويض المنصوص عليه فى قانون التأمينات الاجتماعية ليس إلا تعويضاً هزيلاً لمدة ستة أشهر فقط ، ويرتبط الحق فيه بسبق العمل ، وسداد الاشتراك التأمينى ، وهو الأمر الذى لا يتوفر للكثيرين-على الأخص-بين عمال القطاع الخاص ..حيث الغالبية العظمى منهم غير مؤمن عليهم فعلياً .. بسبب امتناع صاحب العمل عن التأمين على عماله تجنباً للوفاء بحصته فى الاشتراك ، وتحسباً وتخوفاً من إثبات علاقة العمل !!.. ليصبج هؤلاء خارج شبكة التأمينات كلياً-محرومين من حقهم ليس فقط فى تعويض البطالة ..وإنما أيضاً فى تأمينات العجز والشيخوخة والمرض وإصابات العمل!! .. وفضلاً عن ذلك لا يكون للعامل المفصول من عمله حق فى تعويض البطالة .. وواقع الحال..أن نسبة ضئيلة جداً- إلى الحد الذى يمكن معه تجاهلها إحصائياً- هى التى تحصل على هذا التعويض من إجمالى المتعطلين ، وهو فى جميع الأحوال لا يكفى احتياجات العامل ،كما أن ميزة الحصول عليه تنتهى قبل أن يتمكن العامل من العثور على فرصة العمل.

    .. وخارج هذه الشبكة التى تنهار الآن يصبح العمال عاجزين تماماً عن الحصول على أبسط حقوقهم فى العلاج ، والسكن الآدمى فى ظل سياسات تقليص الإنفاق على الخدمات ، وارتفاع أسعار الوحدات السكنية حتى أن قيمة القسط أو الإيجار الشهرى تتجاوز بكثير كامل الدخل الشهرى للعامل .. وحتى التعليم الذى كان مجانياً ارتفعت تكلفته الفعلية بسبب ثمن الكتب ، والأدوات حتى اتسعت فى أوساط العمال ظاهرة التسرب من التعليم التى كانت معدلاتها بينهم قد انخفضت من قبل حتى قاربت على الاختفاء..هذا فضلاً عن نوعية الخدمة التعليمية التى يتلقاها أبناء الفقراء عموماً فى المدارس الحكومية ، والتى تجعل من المستحيل عليهم التقدم فى دراستهم دون اللجوء إلى ما يعرف بالدروس الخصوصية، أو المجموعات الخاصة-حيث ترتفع على هذا النحو التكلفة الفعلية لتعليم الفرد حتى تبز تكلفته فى أى مكان آخر من العالم!!

     

    سادساً : الحماية القانونية وتشريعات العمل

    يناقش مجلس الشعب الآن مشروع قانون العمل الموحد الجديد الذى يمثل فى جملته تراجعاً تشريعياً فى مجال الحماية القانونية لعلاقات العمل ..ورغم أن المجال لا يتسع هنا لتناول نصوص هذا المشروع بمزيد من التفصيل إلا أنه تجدر الإشارة السريعة-على الأقل- إلى أنه لا يفى بالحد الأدنى الضرورى من حماية العمال كطرف أضعف فى علاقة العمل منطلقاً من اعتبار هذه العلاقة علاقة تعاقدية بين طرفين متساويين ..رغم أن الضرورة الإنسانية التى أوجدت قوانين العمل ذاتها هى-على الأخص-كون هذه العلاقة ذات طبيعة خاصة لكونها بين طرفين مختلفى القوة والموقع من السلم الاقتصادى والاجتماعى ..ففيم كانت الحاجة لقانون يختص بتنظيمها لو أنها كانت مجرد علاقة عقدية مدنية تنطبق عليها قواعد القانون المدنى العامة.

    وعلى سبيل المثال يمكن لعقد العمل-وفقاً للمشروع- أن يكون محدد المدة أو غير محدد المدة ..تاركاً أمره لإرادة المتعاقدين ..ولما كان هذان المتعاقدان يملك أحدهما اختيار من يشاء من طابور المتعطلين الذى ينتظر كل من فيه فرصة عمل ، بينما لا يملك الآخر سوى القبول بأى عقد لكى يقى أطفاله شر العوز .. فإن النتيجة المنطقية هى سيادة العقد محدد المدة ، واختفاء العقد الدائم ( غير محدد المدة ).

    وعندما نصبح بصدد عقد محدد المدة فإن الحديث عن سائر الحقوق الأخرى تكاد تصبح غير ذات بال .. فبوسع صاحب العمل أن يجدد العقد أو ينهيه .. وما حاجته إذن إلى الفصل التعسفى ، بل وما حاجته إلى إجبار العامل على التوقيع على استقالته مقدماً كما يفعل الآن !!

    بل إن المشروع يذهب إلى أبعد من ذلك ..حيث يعطى صاحب العمل الحق فى تعديل شروط عقد العمل من جانبه لأسباب اقتصادية (الأجر أو وقت العمل أو طبيعته المتفق عليها )  وبينما يحدث هذا التراجع التشريعى ، وترفع الدولة يدها عن علاقة العمل ، وتتركها طليقة من كل قيد سوى موازين القوى بين طرفى العلاقة والقدرة التفاوضية لكل منهما ..بينما يحدث هذا .. يفتقد العمال إلى كل ما يمكن أن يدعم قوتهم التفاوضية-على الأخص- تنظيمهم النقابى المستقل ، كما يحيط مشروع القانون أيضاً حقهم فى الإضراب بشروط تكاد تجعله مستحيلاً ( فرغم إعطاء أصحاب الأعمال حق الإغلاق كاملاً غير منقوص ، يقيد حق الإضراب على النحو الذى يجعل ممارسته أمراً فى عداد المستحيلات.

     

    الأزمة الراهـــــــــــنة

    يمكن القول أن تطور الأوضاع بالطبقة العاملة المصرية منذ تسويتها أو مقايضتها التاريخية مع النظام الناصرى فى الخمسينيات قد وصلت بها الآن إلى ما يمكن وصفه بالأزمة ..فقد انحل عقد التسوية من أحد طرفيها ..لم تعد الدولة تلتزم بكفالة الحقوق الاقتصادية الأساسية للطبقة العاملة ..بل  إنها بالأحرى قد تركتها لموازين القوى فى المجتمع على النحو الذى لم يعد معه من مجال لتخليها عن حركتها ومنظماتها المستقلة ..بل إنها على العكس باتت فى أمس الحاجة إلى مثل هذه الحركة والمنظمات لكى تتمكن من ممارسة نفوذها وتدعيم موقعها التفاوضى فى ظل الشروط الجديدة ، ولكى يمكنها تعديل موازين القوى التى تميل لغير صالحها الآن بصورة ساحقة-على الأخص-مع انسحاب الدولة وتراجع الحماية القانونية لحقوقها.

    غير أننا نجد أنفسنا أمام ما يمكن وصفه بنقض التسوية من جانب واحد ..فرغم تخلى الدولة من جانبها عن كفالة وحماية حقوق العمل الأساسية ، لم تزل الطبقة العاملة محرومة من حقوقها وحرياتها النقابية ..لماذا إذن؟

    لماذا..هذا ما تحاول السطور القادمة التصدى لبحثه من خلال النقاط  التالية :

    • التطور القانونى لحق التنظيم النقابى
    • تشوه الفكرة النقابية
    • حق الإضراب
    • وضع الاتحاد العام للنقابات
    • محاولات الفكاك

     

     

    التطور القانونى لحق التنظيم النقابى

    بينما كان العشرات من القادة النقابيين فى السجن، تم إصدار قانون العمل رقم 91 لسنة 1959 بما تضمنه من أسس وآليات تنظيم العمل النقابى التى لم تكن فى واقع الحال سوى المصادرة القانونية للحق فى تكوين المنظمات النقابية ..فبموجب البناء القانونى الذى بدأ فى ذلك الحين واستكمل أبعاده على مدار العقود اللاحقة لم يعد للعمال حرية وحق تكوين النقابات ..حيث أصبح هناك تنظيم نقابى واحد بقوة القـانون ..هرمى-بقوة القانون أيضاً-تتركز سلطته فى أعلاه ، وتستلب تماماً من قواعده على النحو الذى يجعل من الســهل السيطرة عليه.

    ولم تكن هذه الصيغة "العبقرية"لمصادرة العمل النقابى بتركيز سلطاته ، وإلحاقه بالتنظيم السيــاسى الواحد-أو بالأحرى بالدولة-اكتشافاً خاصاً بالنظام الناصرى ..فقد جرى اقتباسها بحذافيرها تقريباً عن النظام السوفيتى ، وإن تم إدخال بعض التعديلات-التى تتفق مع ثقافتنا عليها!!-

    وهكذا ..تحولت الوحدة التى حلمت بها الطبقة العاملة طويلاً إلى إلحاق ، وتحول الاتحاد الذى كافح الأولون من أجله مقدمين التضحية تلو الأخرى إلى قيد من حديد على حق التنظيم خارجه ..لم يأتِ الاتحاد إذن تتويجاً لهذا الكفاح ، ولا استجابة للمطلب التاريخى ، وإنما كان وسيلة السيطرة التى اكتشفها أو اقتبسها النظام الناصرى ..حيث السيطرة على اتحاد واحد ، و59 نقابة عامة أسهل بكثير بغير شك منها عندما يتعلق الأمر بحوالى 1400 نقابة مصنعية كانت قائمة فى ذلك الحين ..وهكذا ..اختفت النقابات المصنعية التى تحولت إلى لجان نقابية تتبع النقابات العامة وتفتقد لأى شخصية اعتبارية  ..وأصبحت العضوية النقابية هى عضوية العامل فى النقابة العامة التى يسدد لها مباشرة اشتراكه المستقطع مباشرة من على شريط صرف الأجر.

    واستكمالاً للهيمنة استُن القانون رقم 62 لسنة 1964 الذى جعل من النقابات جزءاً من النظام الاشتراكى يتحدد دورها فى العمل على زيادة الإنتاج وتخفيض التكلفة وترشيد الاستهلاك، وللمزيد من إحكام القبضة تولى هذا القانون أيضاً إلغاء النقابات الفرعية فى بعض المحافظات ، وتخفيض عدد النقابات العامة من 59 إلى 27 نقابة عامة-تقلصت إلى ثلاثة وعشرين الآن.

    ثم وصل بنا الحال أخيراً إلى القانون الحالى رقم 35 لسنة 1976 وتعديلاته بالقانون رقم (1) لسنة 1981 الذى يحظر تكوين أكثر من اتحاد عمال واحد ، كما يحظر تكوين أكثر من نقابة عامة واحدة لكل صناعة ، أو عدد من الصناعات المتماثلة أو المشتركة (المادة 13،16 من القانون ) .. ويتخذ التنظيم النقابى الواحد-وفقاً لهذا القانون- شكلاً هرمياً (المادة 7 من القانون) حيث تتركز سلطته فى أعلاه ، وقد تتابعت التعديلات على هذا القانون بالقانون رقم (1) لسنة 1981 ، والقانون رقم 12 لسنة 1995 لننتهى إلى اختفاء ملامح الشخصية الاعتبارية للجنة النقابية المصنعية تماماً بما فى ذلك حقها فى إقامة الدعاوى الجماعية لأعضائها .. ولتختفى الجمعية العمومية المكونة من عمال المنشأة تماماً فلا تنعقد بحكم القانون سوى مرة واحدة كل خمس سنوات لتنتخب أعضاء مجلس إدارة اللجنة النقابية الجدد ، ثم تنفض غير قادرة على ممارسة أى لون من ألوان النفوذ أو الرقابة أو المحاسبة على من انتخبتهم ..حيث لم تُسجل حالة واحدة  نجحت فيها الجمعية العمومية المصنعية " المكونة من عمال المصنع" فى سحب الثقة من لجنتها النقابية أثناء الدورة النقابية رغم تعدد المحاولات وكثرتها.

    لقد تطور الحال بقانون النقابات إلى الحد الذى وصلت إليه تعديلاته بالقانون رقم 12 لسنة 1995 فيما تضمنته

    من مواد تم تفصيلها بالمقاس - على نحو يندر تكراره - على شخوص " القيادات النقابية الرسمية ". u فقد أصبح من حق هؤلاء الاحتفاظ بمواقعهم النقابية بعد إحالتهم إلى التقاعد بشرط التحاقهم بعمل داخل التصنيف النقابى الذى تضمه النقابة العامة التابعين لها ( المادة 23 من القانون ) .. حيث يتم التحايل - بطبيعة الحال - على هذا الشرط بعقود عمل وهمية مع بعض  شركات القطاع الخاص - أو حتى مع أى ورشة أو " طابونة " صغيرة مملوكة للأقارب والأصدقاء .. وحيث أسفر هذا التعديل فى الواقع العملى عن استئثار المحالون إلى التقاعد بنسبة هائلة من مقاعد المستويات العليا للتنظيم النقابى .

    .. وغنى عن الذكر أن أحداً لا يمكنه تحقيق هذا الشرط بعيد المنال ( العثور - بعد التقاعد - على فرصة عمل فى سوق العمل المكتظ ) سوى هؤلاء النقابيين " الرسميين " .. بينما يفقد العامل " العادى " حقى الانتخاب والترشيح بانتهاء  عمله  .. هذا إذا تمكن - أو إذا حرص أصلاً - على استمرار عضويته ذاتها !!

    .. وفضلاً عن ذلك  .. عمد هذا التعديل الأخير للقانون إلى تحرير هذه " القيادة الرسمية " من عبء وصعوبة الاختيار بين طموحاتها الوظيفية واستمرارها فى مواقعها النقابية .. حيث أجاز للعضو الذى أحتل موقعاً  نقابياً فى الدورة السابقة الاستمرار فى عضويته عند شغله لواحدة من وظائف الإدارة العليا ( مثل المديــــر العام التكرارى ) [ المادة 36 ] !! ...حيث لم تكن هذه ليست الحالة الوحيدة التى ينص فيها القانون على استثناء شاغلى المناصب النقابية لدورة سابقة وإعطائهم امتيازاً خاصاً على الكافة- وليس من عجب - فالتعديل برمته لم يأتِ إلا استجابة لرغبات هذه " القيادات العليا " ومحاولة لتقنين استمرارها فى مقاعدها ، وإزالة كافة المعوقات القانونية من طريقها.. حيث يحصن القانون مواقع هذه القيادات من كل تغيير !! فينص - فى المادة 36 أيضاً - على أنه يشترط فيمن يرشح نفسه لعضوية المستويات العليا من التنظيم أن يكون قد أمضى فى عضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية الأدنى دورة سابقة .. مقيماً بذلك سداً منيعاً بين المستوى القاعدى من التنظيم الذى لا تؤمن فيه عواقب الانتخابات - رغم كل شئ - وبين المستويات العليا التى ينبغى ألا يصيبها  التغيير مهما حدث !!

    هكذا..أصبحنا أمام صرحاً قانونياً متكاملاً يصعب اختراقه من أية ثغرة ..ورغم أن أسسه وقواعده الأولى قد تم وضعها فى الخمسينيات تطبيقاً للصفقة أو التسوية التى تم إبرامها فى ذلك الحين ..فإن تطويره فى نفس الاتجاه قد تم فى فترات لاحقة حيث جاء آخر التعديلات عام 1995 فى نفس العام الذى انتهى فيه العمل بالقانون رقم 48 لسنة 1978، معلناً عن انتهاء آخر بقايا هذه التسوية من جانب واحد..بينما على الطرف الآخر منها مزيــــــــــد من القيود.

     

     

    تشوه الفــــــــــــكرة النقابية

    على أرضية التسوية التاريخية أعادت سلطة يوليو صياغة دور التنظيم النقابى فى ظل ملكية الدولة لوسائل الانتاج الأساسية  ليصبح واحداً من مؤسساتها وأجهزتها الحكومية.. وقد عبر الميثاق عن هذا المفهوم بقوله "إن النقابات لم تعد طرفاً مقابلاً للإدارة وعليها الاهتمام برفع الكفاية الإنتاجية للعامل وتنظيم الاستفادة الجسدية صحياً ونفسياً) ..ومرة أخرى وإحقاقاً للحق لم تكن هذه الصياغة إبداعاً مصرياً بحال من الأحوال ..حيث تم نقل النص بأمانة شديدة عن السوفيت الذين كانوا قد قطعوا شوطاً طويلاً فى تأميم النقابات.

    ..هذه الصياغة "الشمولية" لم تتم ترجمتها فقط فى نصوص ومواد قانونية مكبلة لحرية العمل النقابى ومكرسة لسيطرة الدولة عليه ، وإنما كانت ترجمتها أيضاً إلى مفاهيم ونظم تربت عليها أجيال من النقابيين الذين توثقت علاقتهم بالإدارة إلى الحد الذى أصبحوا معه جزءاً لا يتجزأ منها ..يتلخص دورهم فى الدفاع عن قراراتها أو على الأقل تبريرها حتى ما كان منها فى غير صالح العمال..وفى هذا الإطار أضحى العمل النقابى عملاً خدمياً تنحصر  مهماته فى تنظيم الرحلات والمصايف ..أو دفن الموتى وصرف الإعانات الاجتماعية فى حالات الزواج والوفاة.

    ومع انضمام عمال جدد لصفوف الطبقة العاملة  لم يكن بوسعهم بحال أن يفرقوا بين الإدارة والنقابة ، وكيف لهم   أن يستطيعوا إذا كانوا يلتحقون بعضوية النقابة أتوماتيكياً بمجرد التحاقهم بالعمل ..ويقتطع اشتراكهم من على "شريط القبض" وكأنه جزء من الضرائب أو أى من الاستقطاعات الحكومية التى لا يعرفون عنها شيئاً ..لم يصادف أحدهم من يسأله عما إذا راغباً فى الانضمام للنقابة أم لا .. أو من  يكلف نفسه عناء إقناعه بأهمية الانضمام للنقابة أو المزايا التى يمكن له أن يجنيها من عضويته..بل أن أحداً لم يحاول أن يوضح له-ولو على سبيل المعارف النظرية-ما هو المقصود بكلمة نقابة!!

    وفى ظل هذا الالتباس كان طبيعياً أن تتحكم فى الانتخابات النقابية آليات لا علاقة لها بمفاهيم العمل النقابى كالعصبية والإدارات الخدمية ..وهو الأمر الذى يمكن ملاحظته دون جهد كبير فى أى لجنة نقابية- من هذه اللجان القليلة التى تجرى بها الانتخابات فعلياً-حيث يشكل غالبية قوامها الأعضاء الذين ينتمون إلى مناطق العصبية القبلية ذات الثقل الأكبر نسبياً فى تشكيل عمالة المصنع ، وموظفى الإدارات الخدمية   (الإدارة الطبية- مكاتب العمل- مراقبة الوقت).

    لقد تهاوت الصيغة الشمولية على أرض الوقائع القاسية الفعلية ..ولم تتمكن من الصمود طويلاً ، حيث ســـــــرعان ما خرج عليها العمال مشاركين فى الحركة الأوسع التى ضمت فئات واسعة من الشعب المصرى .. لتشب بعدها الحركة العمالية مرة أخرى عن الطوق متلمسة طريقها إلى التعبير المستقل عن احتياجاتها ومصالحها ..تهاوت الصيغة غير أنها خلفت وراءها فكراً نقابياً مشوهاً فى صفوف الطبقة العاملة.

    إن الراصد للتحركات العمالية على امتداد العقود الماضية-سواء فى حلوان ..شبرا..المحلة الكبرى ..الإسكندرية ..كفر الدوار- يمكنه أن يلحظ منذ الوهلة الأولى كيف جاءت جميع هذه التحركات من خارج التنظيم النقابى بل وفى مواجهته .. وكيف كان العداء المتبادل طابعاً للعلاقة بين العمال المشاركين فى الاحتجاجات وأعضاء التنظيم النقابى ..وهو العداء الذى كثيراً ما بلغ حد إدانة التحركات من قبل التنظيم النقابى ، والمطالبة بحل النقابة أو سحب الثقة منها من قبل الحركة.

    غير أن الأمر الأخطر ..هو أن التحركات العمالية التلقائية كثيراً ما كانت تتجاوز حدود المطالبة بحل منظمة نقابية بالذات نتيجة مواقفها المعادية لمصالح العمال إلى أبعد من ذلك رافعة شعار " تسقط النقابات".

    ..هكذا..تجاوز الأمر حدود تحطم الجسور بين الحركة العمالية والتنظيم النقابى القائم إلى فقدان الثقة بفكرة التنظيم النقابى ذاتها ..حيث النقابة عند الكثيرين من العمال-ونتيجة لخبراتهم المباشرة-هى جزء من الإدارة ..هى جهة من تلك الجهات الكثيرة التى تختلط أسماؤها وتبدو جميعها رموزاً للقهر .

    ..هكذا..بدلاً من أن تكون النقابة شعاراً وتكوينها هدفاً ..يصبح الشعار هو إسقاطها-هذا عندما تكون هناك نقابة- أما عندما تغيب النقابة مثلما هو الحال فى وحدات القطاع الخاص فإنه ليس ثمة دافعاً للعمل على تكوينها.

    إن تشوه الفكرة هنا لا يؤدى فقط إلى اختلاط الأوراق ..بل تكمن مشكلته بالذات فى أنه يحول دون تفعيل الحركة العمالية فى الاتجاه الذى ينبغى عليها أن تتحرك فيه الآن..الآن ..مع كل التغيرات التى حدثت وتحدث والتى انتهت إلى تقليص عمالة القطاع العام ، واتساع عمالة القطاع الخاص..الذى تراجعت فيه الحماية القانونية لحقوق العمال ..ليصبح الجانب الأعظم من هذه الحقوق مطروحاً للمفاوضة الجماعية التى لا تمكن ممارستها بغير منظمات نقابية تمثل العمال حقاً .

    هل يمكن أن نعود لنبدأ من الصفر الآن .. ليكتشف العمال المصريون من جديد بعد قرن من الزمان خطوة بخطوة حاجتهم إلى منظماتهم النقابية ..هل يعقل أننا مع مطلع الألفية الجديدة لم يزل أصحاب الأعمال فى بلادنا لا يعترفون بشىء اسمه النقابة ..لا يرون له ضرورة ..أو وظيفة ..رغم أنهم فى نفس الوقت يرفضون الانصياع لقوانين آمرة تفرض عليهم احترام حقوق العمال وآدميتهم.

    .. تشوهت الفكرة النقابية التى أنتجتها البشرية منذ أكثر من قرنين من الزمان ..غابت عن أصحاب المصلحة الأصيلة فيها .. بينما تنكر لها أصحاب الأعمال الذين لم يزل الكثيرين منهم عندنا يرون فى العمال تابعيهم المباشرين الذين ينبغى عليهم الطاعة والجد فقط حتى أن الأمر يصل أحياناً إلى حد الاعتداء بالضرب على العمال-..وبينما يستريح بعضهم إلى غياب النقابات لكيلا تفسد عليهم عمالهم ..ينظر إليها البعض الآخر كفكرة من تلك الأفكار المستوردة من الغرب والتى تعارض تقاليدنا وعاداتنا " الأبوية".

    ..ربما كان ذلك كله وثيق الصلة بتشوه الأفكار فى مجتمعنا كله الذى لم يحلق بعيداً عن أرض "الشمولية" رغم كل المتغيرات الاقتصادية التى اعترته..نحن أيضاً شعب الحكومة هى التى تعمل من أجلنا ، وتخطط لنا مستقبلنا ..وهى الأعلم بما هو مفيد وما هو ضار ..لأننا لم نزل قاصرين عن إدراك احتياجاتنا ومصالحنا ..ومن يخرج عن هذا الناموس العام لا يمكن إلا أن يكون واقعاً تحت تأثير الأفكار المستوردة!!

     

    حـــــق الإضـــــراب

    ربما كانت الحقوق والحريات النقابية الغائبة كثيرة .. وربما كانت كذلك المفاهيم التى اعتراها التشوه على امتداد العقود الماضية ..وجميعها بغير شك جديرة بالنقاش مثل حق الانضمام والوحدة والانفصال ..سلطة الجمعية العمومية الأعلى ..الخ..غير أن حقاً ضمن هذه الحقوق يبدو الأجدر بنقاشه ..هو حق الإضراب ..ليس فقط لأنه واحداً من أهم هذه الحقوق ، وإنما أيضاً لكونه الأصل فى إنشاء النقابة ذاتها التى ولدت من رحمه ..ففى الفكر النقابى هناك الثلاثية المعروفة   ( إضراب          نقــابة           إضراب ).

    ولما كان الإضراب واحداً من أبرز وأهم آليات الطبقة العاملة التى تمارس من خلالها نفوذها فى المجتمع لتعديل موازينه لصالحها بصورة أكثر عدلاً .. وسيلة من أكثر من وسائل التعبير عن الحركة العمالية المستقلة جوهرية ..فقد كان طبيعياً أن يتم العصف به ضمن التسوية الكبرى التى أبرمت منذ نصف قرن من الزمان .

    وواقع الحال أن الإضراب عن العمل بالذات قد قوبل بكثير من القمع والعداء من قبل نظام يوليو ، ومنذ الوهلة الأولى ..هذا العداء السافر الشديد الذى كانت أحداث أغسطس 1952 مناسبة للإفصاح عنه بأكثر الأشكال حدة .. ثم يصدر فى أعقابه الأمر العسكرى ( 8 ديسمبر 1952) بتجريم الإضراب .

    غير أن الأمر هنا أيضاً لم يكن مجرد تجريم قانونى .. وإنما عملية غسيل مخ للطبقة العاملة المصرية-إذا صح القول-فبما أننا كعمال نملك المصانع ، وبما أننا شركاء فى الأرباح ..يصبح الإضراب ليس له من ثمة .. وبما أننا جميعاً "واحد " فى مجتمع شمولى لا يعود هناك مجال للتعبير عن المصالح المتباينة للطبقات والفئات المختلفة ..ينبغى أن تعلو مصلحة الوطن والمجتمع ..ويجب على العمال أن يتنازلوا عن مصالحهم المباشرة من أجل المصالح العليا للوطن والمجتمع .

    على هذه الأرض الشمولية التى تنكر على الطبقات والفئات المختلفة تباينها ، وتحرم عليها ممارسة نفوذها وحركتها المستقلة على أى نحو لتعديل موازين القوى فى المجتمع أو للضغط من أجل تغيير السياسات ، أو المشاركة فى صنع القرارات ..على هذه الأرض أصبح الإضراب عن العمل جريمة ..حتى أنه لا يصح الجهر باسمها على مرأى من أحد‍‍‍‍‍‍!!

    لقد ظل اتحاد العمال الرسمى أميناً على هذه الفكرة حتى يومنا هذا ..رغم المياه الكثيرة التى جرت لتجعله عسيراً على أياً من كان الاستمرار فى التشبث بمثل هذه الفكرة .. ورغم ذلك رأينا ممثل الاتحاد العام يعلن أمام الجمعية العمومية لمنظمة العمل الدولية أن عمال مصر لا يحبون الإضراب-ببساطة-لأنه ضد ثقافتهم ..ويالها من ثقافة وخصوصية تلك التى يجرى تصويرها وكأنها ثقافة الخنوع بالذات..هل أدلكم على اتحاد للعمال يكاد يكون الوحيد فى العالم الذى لم يمارس الإضراب ولو مرة واحدة ..إنه اتحاد العمال المصرى ..فإذا ما سئلوا لماذا؟ ..جاء الرد ..وهل الإضراب فى حد ذاته هدفاً حتى ننشده ..نعم ليس هدفاً ..ولكنه وسيلة لتحقيق المطالب ورفع المظالم ..أليس لعمال مصر مطالب ، وماذا عن هؤلاء العمال الذين يمارسون الإضراب والحركات الاحتجاجية وحدهم دون تنظيم نقابى ..هل لأنهم يرونه هدفاً فى حد ذاته ، أم أنهم يمارسونه بدلاً من تمارين الصباح الرياضية ؟

    .. بقى حق الإضراب مجرماً فى القانون المصرى حتى قدم للمحاكمة عمال وسائقى السكك الحديدية لقيامهم بالإضراب عن العمل عام 1986 عندما صدر الحكم التاريخى بتبرئتهم تأسيساً على الاتفاقيات الدولية التى وقعتها الحكومة المصرية بما يتعين معه اعتبارها جزء من القانون المحلى ( على الأخص العهد الدولى لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية ، واتفاقية العمل رقم 87) .. وبناء على ذلك رأت المحكمة اعتبار المادة 124 من القانون الجنائى-التى تجرم الإضراب- لاغية بموجب هذه الاتفاقيات .

    غير أن قانون العمل الجديد رقم 12 لسنة 2003 يعود بنا مجدداً إلى الوراء ..فهو رغم اعترافه الشكلى بحق الإضراب

    يعود ليتراجع عنه فعلياً فى الشروط التعجيزية التى يضعها  لممارسة الحق فى الإضراب..والذى يحظـــر ممارسته أو الدعوة إليه فى المنشآت الاستراتيجية أو الحيوية التى يترتب على توقف العمل فيها الإخلال بالأمـــــــــــــن القومى أو بالخدمات الأساسية التى تقدمها للمواطنين- وهذه المنشآت وفقاً لقرارى رئيس الوزراء تشمل المستشفيات والمؤسسات التعليمية ، وكافة مرافق النقل ، والاتصالات ، وجميع المصانع الحربية-كما أنه يحظر أيضاً أثناء سريان الاتفاقية الجماعية بغرض تعديلها ، أو أثناء جميع إجراءات الوساطة والتحكيم..هذا فضلاً عن الإجراءات المنظمة التى تجعل من موافقة ثلثى النقابة العامة شرطاً حاسماً للإضراب ، كما تشترط الإخطار المسبق الذى يتعـين تضمنه مدة الإضراب ..وخلافاً لهذه الاشتراطات يصبح الإضراب غير قانونى ، ويصبح الفصل من العمل عقوبته الرادعة فضلاً عن تجريمه  بموجب المادة 124 من القانون الجنائى.

    هكذا..تستمر  نفس الثنائيات المعتادة ..اتفاقيات دولية موقع عليها من الحكومة المصرية ، ودستور يناقضهما القانون المحلى ..عمال يمارسون الإضراب لكونه حقاً وضرورة ، ونصوص قانونية يصعب تطبيقها غير أنه يمكن إشهار سلاحها فى أى وقت من الأوقات ..عمال يحاولون الدفاع عن مصالحهم ، وتنظيم نقابى عاجز عن التصدى لمهامه فى التعبير عن هذه المصالح.

    غير أن فكرة الإضراب أيضاً لم تنجُ من التشوه فى أذهان العمال المصريين .. هذا التشوه الذى يلقى بظلاله على التحركات الاحتجاجية التى ينظمها العمال طوال العقود الثلاثة الماضية.

    ذلك أن الإضراب كما عرفه ومارسه العمال المصريين قبل عام 1952 هو أن يقرر غالبية عمال المصنع أو المنشأة أو الصناعة الامتناع الجماعى عن العمل بهدف الضغط على صاحب العمل للقبول بمطالبهم التى تتعلق بعلاقات العمال والتى كان قد سبق له رفضها..وفى هذه الحال يوقف العمال الماكينات ويتركون المصنع أو المصانع إلى أن تنتهى المفاوضات على النحو الذى يبتغونه أو يقبلونه ..فيعاودون العمل مجدداً..هذا هو الإضراب.

    وهناك أيضاً الاعتصام ..حيث يقوم العمال المحتجون بالامتناع عن العمل أيضاً غير أنهم يمكثون فى مكان العمل لا يتركونه ..

    أما العمال المصريون الآن ..فإنهم عادة ما يلجئون إلى وسائل مختلفة للتعبير عن احتجاجهم ..وسأتعرض هنا إلى الوسيلتين الأكثر شيوعاً :

    • الوسيلة الأولى : والتى يصعب اعتبارها إضراباً أو اعتصاماً ..حيث يمتنع العمال عن ترك المصنع والعودة إلى منازلهم ..غير أنهم يمكثون داخل المصنع يعملون ببالغ الجد والنشاط ..وعادة ما يبدون حرصهم على زيادة الإنتاج طوال فترة الإنتاج .
    • الوسيلة الثانية : الامتناع الجماعى عن تقاضى الأجر ( المرتب أو الأرباح أو الحوافز )

    حيث تمكن بسهولة ملاحظة السمة الغالبة على الوسيلتين وهى تعمد العمال الإضرار بأنفسهم دون أحد آخر ..فهم فى الأولى يرهقون أنفسهم ..حيث يضطرون للعمل أيام متواصلة دون العودة إلى منازلهم للحصول على قسط من الراحة ، وفى الثانية يتأخرون عن تقاضى الأجور التى عادة ما يكونون فى أشد الحاجة إليها طـــــوال فترة الاحتجاج.

    أما لماذا يلجأ العمال إلى مثل هذه الوسائل بالذات للتعبير عن احتجاجهم ..فربما يرجع ذلك إلى سببين :

    -  إن صاحب العمل فى القطاع العام ( قطاع الأعمال العام الآن ) هو الدولة ..الدولة بكل سطوتها وجبروتها ومؤسساتها .. وعندما يحتج العمال فإن احتجاجهم يبدو فى مواجهة هذه الدولة مباشرة ..لذلك يحرص العمال على عدم ارتكابهم ما يبدو ضرراً لهذه الدولة ..فيعرضهم لطائل العقاب ..فهم تعبيراً عن احتجاجهم إنما يضرون بأنفسهم فقط..لذلك فإنهم يستميتون فى العمل على زيادة الإنتاج أثناء احتجاجـهم ، وفى إبراز هذه الحقيقة بالأرقام.

    - أن ملكية الدولة للقطاع العام ، وما صاحبها من ترويج لأوهام الملكية العامة لوسائل الإنتاج قد تركت بغير شك آثارها على العمال الذين يضعهم احتجاجهم فى مأزق نفسى ..فهم ما قبل الشروع فى الاحتجاج أو أثناءه عادة ما يصيبهم الخوف من أن يكون ما يقدمون عليه درباً من الإضرار بالمجتمع ، أو الاعتداء على الملكية العامة ..وهم لذلك أيضاً يحرصون على زيادة الإنتاج ، وحماية الآلات والمكاتب ودورات المياه وغيرها من الأموال فى مواقع العمل ..والإعلان عن ذلك بكل لسان يستطيعون.

    هكذا .. رغم انهيار منظومة الخطاب المدافع عن الملكية العامة ..لم يزل الإضراب كفكرة أسيراً للتشوش ، ولم يزل كحق محاطاً بمخاطر التجريم .. ولم نزل نحن نناقش بديهيات مغلقى الآذان عن قيم الحرية وحقوق الإنسان.

     

    وضع الاتحـــاد العــام للنقابـــــات

    -كما سبق القول-لم يكن الاتحاد الأول للنقابات العمالية الذى أُعلن عن قيامه عام 1957 هو الحلم الذى ناضل العمال من أجله كثيراً ..فهذا الذى كان حلماً هو اتحاد ديمقراطى بين نقابات ديمقراطية تنضم له طواعية بصورة ديمقراطية ..يخضع لسلطة العمال ، ويعبر عن إرادتهم ومصالحهم .

     ..ومنذ ذلك التاريخ وعبر سلسلة من التطورات تحول الاتحاد لمؤسسة ضخمة تضم 23 نقابة عامة وجامعة عمالية ومؤسسة اجتماعية وهيئة للثقافة العمالية ومعهد للتدريب العمالى ويعمل فى أرجائها مئات من الموظفين..غير أنه-رغم ذلك كله لم يسلم من الأزمة ..بل لعله قد كشف عنها بصورة أكثر وضوحاً.

    فعضوية الاتحاد الواسعة التى كانت فى قوامها الرئيسى عضوية القطاع العام التى تنضم أتوماتيكياً للتنظيم النقابى جعلت تتناقص فى السنوات السبع الأخيرة بصورة حدية بينما عمال القطاع الخاص والقطاع غير الرسمى يقفون هناك خارج الأطر التنظيمية للاتحاد تماماً ..ليؤدى به ذلك إلى أزمة بنيوية لا يبدو لها فكاكاً..

    وفضلاً عن ذلك ..فإن تمسك اتحاد النقابات بأساليبه التقليدية فى العمل ، وعجزه عن تجديد أساليبه وخلاياه مع المتغيرات الاقتصادية الكبرى يضاعف من حالة العجز عن تمثيل العمال والدفاع عن مصالحهم كما هى فى الواقع وليس كما تبدو فى وسائل الإعلام .

    هكذا..لم يعد ذا بال ذلك النقاش والجدل الحاد الذى بقى دائر اً فى أوساط الحركة العمالية على مدار عقود من الزمان حول إمكانية إصلاح الاتحاد ، ومقرطته من الداخل ..بدفع-أو بالأحرى تسريب-عدد من القيادات العمالية الديمقراطية إلى المستويات العليا للاتحاد ..هذه المستويات المغلقة أبوابها بإحكام بعدد لا يحصى من المواد القانونية والإجراءات الأمنية التى لا يمر منها إلا من جرى اختباره وأثبتت الاختبارات صلاحيته "وخلوه من أى ميكروب ديمقراطى ".

    لم يبقَ من التسوية التاريخية الكبرى التى ولد فى كنفها اتحاد النقابات المصرى شيئاً ..انهارت جميع مقدماتها ، وتبدلت جميع مفرداتها .. بقى فقط الحق العمالى المصادر فى تكوين النقابات بحرية ، فى الانضمام والوحدة والانفصال بحرية ..وبقى اتحاد وحيد غير مسموح بغيره رغم أنه هو نفسه قد بات محاصراً بعجزه عن تنظيم القطاعات العمالية الجديدة الحية ، وبالأزمة البنيوية التى تكشف بعض جوانبها الحقائق التالية :

    • وفقاً للإحصائيات الرسمية هناك لجنة نقابية واحدة فقط فى 270 مصنعاً بمدينة "برج العرب"، ولجنتان فى 166 مصنعاً بمدينة السادات ، وست لجان نقابية فى ستمائة وثمانين ( 680) مصنعاً بمدينة السادس من أكتوبر ، وست عشرة لجنة فى ألف مصنع بمدينة العاشر من رمضان .. بإجمالى خمسة وعشرون ( 25) لجنة نقابية فقط داخل ألفين مائة وستة عشر ( 2116) مصنعاً u
    • جميع أعضاء مجلس إدارة الاتحاد الثلاثة والعشرين من الحزب الوطنى
    • جميع أعضاء مجلس إدارة الاتحاد على المعاش الآن ويعملون بعقود عمل يصعب اعتبارها عقود عمل حقيقية
    • النسبة الغالبة من أعضاء المستويات العليا فى التنظيم النقابى لم تعد لهم من مواقع عمل سواء بسبب إحالتهم إلى المعاش أو تصفية شركاتهم التى كانوا يعملون بها.
    • تحسم انتخابات مجلس إدارة الاتحاد-لدورات عديدة-بالتزكية ودون انتخابات .

     وكأنما كانت الانتخابات النقابية الأخيرة لدورة 2001/2006 بمثابة إعلان عن عنفوان الأزمة التى تطرح للتساؤل مستقبل التنظيم النقابى فى بلادنا ..فقد انتهت هذه الانتخابات بأحكام قضائية-لم تنفذ بطبيعة الحال-ببطلان الانتخابات ..ليمتد نطاق الأزمة والتساؤلات التى تحيط بمستقبل الاتحاد نفسه فى ظل الأوضاع الراهنة إلى مدى شرعيته ..وشرعية تمثيله للعمال المصريين .

     

    محــــــــــــــــــــاولات الفكاك

    عادت الحركة العمالية إلى الحياة فى السبعينيات ، بعد أن  دشنت لها تظاهرات الغضب-سياسية الطابع-عام 1968 ، والتى كان عمال مصنع 135 ( مصنع الطائرات ) الحربى بحلوان قد أشعلوا شرارتها الأولى لدى تظاهرهم للمطالبة بمحاكمة المسئولين الحقيقيين عن الهزيمة..حيث استجاب لهم عمال مصانع الطائرات الأخرى، وعدد من مصانع حلوان (سيماف ، النصر للسيارات، والمصانع الحربية بمنطقة عين حلوان)..

    هذه الحركة التى كانت قد فقدت استقلالها وأدواتها التنظيمية كان عليها أن تعيد اكتشاف العالم وكأنها رجل فقد ذاكرته ثم عادت إليه فجأة ..ومن الصحيح أنها شرعت يوماً بيوم تبلور برنامجاً مطلبياً جديداً لها .. وخاضت بعض المعارك دفاعاً عن الديمقراطية , وبحثاً عن تنظيمها النقابى الذى كان قد سُلب منها..إلا أنها لم تكن لتبرح أرض الأحلام والمساومة القديمة بغير جهد جهيد .

     

    أولاً : ملامح الحركة المطلبية

    ورغم تصاعد النضال المطلبى وتواتر الحركات الاحتجاجية فى الثمانينات والتسعينيات إلا أنها بقيت محتفظة بطابعها الدفاعى الجزئى.. فالغالبية الساحقة من التحركات-ما لم تكن جميعها-كانت تأتى رداً على محاولات الانتقاص من الحقوق العمالية فى موقع من مواقعها .. حتى أن الراصد لها يمكنه أن يلاحظ بوضوح أن هذه التحركات ظلت لسنوات طويلة تتواتر بصورة دورية مع يناير ويوليو وأغسطس من كل عام- مواسم صرف الأرباح واحتساب نسب الحافز- ولأنها كذلك ..دفاعية ، ولأنها تفتقد أدوات تنظيمها وتوحدها فقد كانت دائماً جزئية-على مطلب جزئى وفى موقع واحد ..ورغم أن المطالب عادة ما تكون واحدة .. إلا أن الاعتداء عليها أو محاولات الانتقاص منها لم تكن لتأتى فى وقت واحد .. لذلك .. كان الرد الدفاعى لا يشمل أكثر من موقع فى وقت واحد.

    لقد تفاعلت هذه الطبيعة الدفاعية المجزأة للحركة العمالية مع عوامل عدة أخرى فى صياغة هيكل الأجور بصورة معقدة ومذهلة لم تزل بقاياها سائدة حتى الآن .. حيث أصبح الأجر الأساسى للعامل أقل من أن يفى بحد الكفاف .. بينما أصبحت النسبة الغالبة من الأجر فى صورة أجور متغيرة من الحوافز وخلافه تختلف من صناعة إلى صناعة ، ومن شركة إلى شركة ، وأحياناً من قسم إلى قسم ، ومن عنبر إلى عنبر .. ومثلما كانت الحركة العمالية المجزأة الدفاعية التى تختلف قوتها وقدرتها على انتزاع المكاسب من مكان إلى مكان سبباً فى اختلاف مشتملات الأجر من مكان إلى مكان سبباً فى اختلاف معدلات وصور الأجر المتغير .. فإن اختلافها وتباينها كانا سبباً فى احتفاظ الحركة بطابعها الدفاعى الجزئى.

    وبينما اشتد النضال المطلبى فى الثمانينات-على الأخص منتصفها الثانى- شهد النصف الثانى من التسعينيات أيضاً معارك المؤخرة دفاعاً عن القطاع العام الذى كان قد أضحى قطاعاً عاماً للأعمال يعيش لحظات انكساره الأخيرة .. تحركات ضد الفساد والتعسف الإدارى ، وتحركات أحياناً ضد البيع .. غير أنها لم تكن سوى معارك المؤخرة .. فعمليات تصفية وبيع وحدات القطاع العام المرتبطة بحزمة كاملة من السياسات لم يكن ممكناً أن توقفها تحركات عمالية دفاعية مجزأة ، مهما يكن الأمر من بسالة بعض هذه المعارك ودراميتها التى وصلت فى بعض المواقع إلى محاولة الجلوس أمام المصنع لعمل مانع بشرى يحول بين المالك الجديد وبين الدخول.

    ويمكن القول أن الأعوام القليلة الماضية قد شهدت انحساراً للحركة العمالية المطلبية فى قطاع الأعمال العام ووحداته ذات التراث الطويل ..بينما أخذ عمال القطاع الخاص ينخرطون فيها شيئاً فشيئاً ..دفعتهم إليها شروط العمل السيئة ، والتى تصل ببعضهم أحياناً إلى عدم تقاضى أجورهم بضعة شهور متوالية ليصبحوا أمام جوع مؤكد

     

    ثانياً :الحركة الديمقراطية

    كان طبيعياً أن يشتبك العمال مع الحركة التى عمت الوطن كله فى ذاك الزمان متشبثة بطموحات الاستقلال الوطنى ، ومطالبة بالديمقراطية ،  وفى إطار هذه الحركة ولد جيل جديد من القيادات العمالية-الذى تشكل منه على مدار العقود اللاحقة تيار الاستقلالية فى الحركة العمالية-كان هؤلاء من أبناء القطاع العام بطبيعة الحال ، كما توثقت صلات الكثيرين منهم بالمنظمات اليسارية التى أخذت تلعب دوراً بارزاً فى الحركة الطلابية آنذاك.

     اتجه هذا الجيل إلى بلورة برنامج ديمقراطى للحركة العمالية عبر معارك الانتخابات النقابية الواحدة تلو الأخرى ..ونجح فى إبراز النقاط التالية :

    • استقلالية التنظيم النقابى عن سلطة الحكم.
    • حق العمال فى الإضراب.
    • إسقاط شرط عضوية الاتحاد الاشتراكى عن المتقدمين للانتخابات النقابيةu
    • عدم الجمع بين منصبى رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، ووزير القوى العاملة u
    • الأخذ بنظام المندوبين النقابيين.

    على هذا النحو شرع يتبلور مضمون الحركة العمالية الديمقراطية سعياً إلى استعادة النقابات لسيرتها الأولى كمنظمات عمالية ديمقراطية تعمل من أجل تحسين ظروف وشروط العمل.

    ورغم عدم نجاح هذه القيادات- عدا استثناءات قليلة منها-فى دخول مجالس إدارات لجان التنظيم النقابى آنذاك ..إلا أنهم قد تمكنوا من كسب تعاطف العمال إلى برنامجهم ، والتصدى لقيادة الحركة العمالية فى العديد من المواقع العمالية لعل أهمها [غزل المحلة الكوك الترسانة البحرية الحديد والصلب حرير حلوان الأهلية أبو زعيل الدلتا للصلب الأهلية للغزل والنسيج بالإسكندرية والأهلية للغزل والنسيج بكفر الدوار]..وقد كان من شأن ذلك كله تحريك المياه الراكدة للتسوية القديمة ..وفتح ملفات الحقوق والحريات النقابية من جديد ، وإثارة التساؤلات والجدل حول بعض القضايا التى  كانت تبدو من قبل نوعاً من المحرمات مثل قضية تعدد المراكز النقابية ( التعددية النقابية).

     ترابط أبناء هذا الجيل الجديد من القيادات  مع الحركة العمالية المطلبية مشاركين بفاعلية فى مظاهر احتجاجها المختلفة ، وفى تنظيم حملات التضامن بينها فى المواقع المختلفة-على الأخص-فى مواجهة مظاهر القمع البوليسى أو التعسف الإدارى مستخدمين فى ذلك أدوات متعددة بدءاً من  إقامة الدعاوى القضائية لتحقيق مطلب من المطالب العمالية  أو للطعن  على القرارات الصادرة لغير مصلحة العمال.. إلى مجلة الحائط التى تمت استعارتها من خبرات  الحركة الطلابية لتجد لها مكاناً على جدران بعض المصانع..وفى الثمانينيات عاودت المجلات العمالية المستقلة الظهور مرة أخرى بعد عقود من الانقطاع  فكانت مجلة  "صوت العامل" التى قام بإصدارها عددٌ من القيادات العمالية من أكثر من موقع عمالى ، كما عرفت النور مجلة "الصنايعية" التى كانت ثمرة لمبادرة عدد من عمال الحديد والصلب.. وفضلاً عن ذلك استطاعت بعض هذه القيادات التمكين لنظام المندوبين النقابيين فى مواقعهم ..نجحت بعض هذه القيادات فى إقامة نظام المندوبين النقابيين فى مواقعهم ساعين إلى توسيع قاعدة العمل النقابى ، وإخضاعه للنقاش الديمقراطى عبر وضع برامج العمل التى يلتزم بها أعضاء مجالس إدارات النقابات ..ليشهد عمال هذه المواقع تجربة جديدة فى العمل النقابى. u

    فى انتخابات الدورة النقابية 79/83 استخدم لأول مرة سلاح المدعى العام الاشتراكىu فى استبعاد غير المرغوب فيهم من المرشحين لعضوية التنظيم النقابى ، والذين تم عرض أوراقهم عليه ..ليقوم باستبعاد أربعة وخمسين ( 54) مرشحاً من قوائم المرشحين.. لم يستسلم المستبعدون وقاموا بالطعن على القرارات أمام محكمة القضاء الإدارى مطالبين بحقهم فى الترشيح ، كما قاموا بإصدار عددٍ من البيانات التى تم توزيعها فى مواقعهم منددين بهذا الإجراء اللا ديمقراطى ، ومطالبين بانتخابات نقابية ديمقراطية نزيهة استناداً  إلى عدد من الشروط الواجب توافرها فيها ..ثم صدر الحكم بعودة المستبعدين باستثناء أربعة. u

    وكان الحكم التاريخى مفاجأة غير متوقعة ، كما كان فى نفس الوقت بمثابة إعلان عن نجاح جميع العائدين الذين احتلوا المواقع الأولى ضمن قوائم الناجحين فى لجانهم.. فى هذه المعركة كانت أصوات العمال تعبيراً عن إرادة التحدى ، وإفصاح عن الأمل فى تغيير طالما انتظروه. ومنذ ذلك الحين اختلفت صورة الانتخابات النقابية فى هذه المواقع المتقدمة للحركة والتى شهدت صراعاً طويلاً  بين التيار الجديد فى الحركة-تيار الاستقلالية- والمسيطرين على التنظيم النقابى.

     فى أكثر من مرة فازت هذه القيادات بعضوية اللجان النقابية فى مواقعها العمالية .. فكيف كانت تجربتهم داخل التنظيم؟ .. ماذا عن برنامجهم الديمقراطى ؟ هل استطاعوا تغيير شكل العمل النقابى؟.. وربما أسئلة أخرى كثيرة عن هذه التجربة يصعب تناولها فى هذا الحيز الضيق..غير أن بعضاً هاماً من الملاحظات يمكن التقاطه هنا :

    الملاحظة الأولى هنا هى ما يجب أن نسجله من أن اللجان النقابية-المستوى الوحيد القاعدى الذى كان يمكن العبور إليه عن طريق الانتخابات المباشرة من المواقع العمالية-والتى نجحت بعض هذه القيادات فى دخولها هى بموجب القانون لجان منزوعة الصلاحية ..ليست لها الشخصية الاعتبارية التى تؤهلها للتصرف القانونى كممثلة للعمال .. سواء فى المحاكم أو فى إجراءات التوفيق والتحكيم ..

     أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالآلية البيروقراطية للتنظيم النقابى ودولاب العمل اليومى فيه من حضور اجتماعات اللجان، وحل المشاكل الفردية ، وهى الآلية التى يمكن-بل أمكن لها-استيعاب هذه القيادات فى دائرتها ، كما أن نفاذ هذه القيادات النقابية من تيار الاستقلالية إلى داخل اللجان النقابية كان دائماً ما يتحقق لها فقط كأقلية داخل هذه اللجان محاصرة بأغلبية معادية أو غير مكترثة على أفضل الفروض .. بما يترتب عليه من استبعادها من هيئة المكتب ومن اللجان الهامة ..وفضلاً عن ذلك لعبت إدارات المصانع دوراً واعياً قصدياً يهدف إلى إظهار هذه القيادات فى صورة ضعيفة أمام جمهور العمال..حيث عادة ما تعمد الإدارة إلى عدم الترحيب  بالتعامل معهم ،وتجاهل مطالبهم .. فى نفس الوقت الذى تقوم فيه بحل بعض المشاكل الأخرى التى ترد إليها من آخرين.. ناهيك عن التآمر الذى عادة ما تعرضوا له أثناء عضويتهم باللجنة النقابية.. ولكل هذه الأسباب لم يكن سهلاً أو ممكناً لهذه القيادات أن تضطلع بالأعمال الكبيرة الجديرة بطموحاتهم وآمالهم التى أعلنوا عنها فى برامجهم ، وحملوها معهم إلى داخل التنظيم النقابى .. ولكى نكون منصفين ينبغى علينا الاعتراف بأن بعض القصور وعدم القدرة على اغتنام الفرص السانحة قد اعترى أداء بعض هذه القيادات ..خاصة هؤلاء الذين تمكنوا فى غفلة من الزمان فى تشكيل أغلبية داخل مجالس إدارات اللجان النقابية ....ربما بسبب من الوقوع فى شراك الآلية البيروقراطية ذاتها والتحول إلى مجرد ترس من تروسها ..وربما بسبب من التزامهم الهوامش المتاحة أكثر من اللازم دون أى مبادرة شجاعة للقفز خارجها ، وإهمال بعض المواد القانونية واللائحية التى كان يمكن الاستعانة بها لتوسيع المساحة المتاحة للعمال بما يلائم الأهداف الديمقراطية الأكثر طموحاً لهم وللعمال معهم.

    وعلى سبيل المثال كان هناك حتى التعديل الأخير رقم 12 لسنة 1995 لم يزل النص القانونى  (للمادة رقم 30) على انعقاد الجمعية العمومية للجنة النقابية المصنعية مرة واحدة سنوياً على الأقل ، فضلاً عن إمكانية انعقادها بصورة طارئة بناء على طلب رئيس اللجنة أو ثلثى أعضائها النقابية ، ورغم صريح النص فإنه لم يتم تسجيل محاولة واحدة لاستخدامه..هذا فضلاً عن نصوص النظم الأساسية للاتحاد والنقابات العامة المتعلقة بنظام المندوبين النقابيين ..والتى لم يحاول الكثيرين إعمالها رغم الخبرات السابقة فى هذا المجال ، والتى برهنت على الدور الذى يمكن أن يلعبه هذا النظام فى توسيع دائرة العمل النقابى ، وإشراك العمال فى مناقشة قضاياهم ، وطرح مشاكلهم

    وخلافاً لذلك ..كانت هناك أحلام الصعود للمستويات النقابية الأعلى  (مجلس إدارة النقابة العامة-مجلس إدارة الاتحاد) التى راودت البعض مبررة لنفسها بإمكانية وأهمية التغيير من أعلى .. ولأنها ليس إلا أوهام عن التغيير ، فقد كانت كثيراً ما تأخذ صاحبها وراءها إلى تقديم بعض التنازلات- تخفيف نبرة الانتقاد للتنظيم النقابى على سبيل المثال ..أو إجراء الحسابات المعقدة قبل اتخاذ الموقف المبدئى المفترض ..)

    فى ظل هذا كله .. لم يكن ليتبق من الطموحات التى تضمنتها البرامج الانتخابية على الأرض سوى تحقيق بعض المطالب الجزئية، وحل الكثير من المشاكل اليومية، وصورة النقابى الشريف الذى أرهقه حلم التغيير وأنهكه البحث عن بديل من داخل المؤسسة النقابية.

    وواقع الحال .. وإحقاقاً للحق لم تكن المعوقات المذكورة أعلاه هى فقط ما يعترض هذه القيادات من ممثلى تيار الاستقلالية .. فقد كانوا كغيرهم من القوى الديمقراطية فى المجتمع هدفاً للاضطهاد والقمع من قبل الأجهزة الحكومية على فترات مختلفة .. وعلى سبيل المثال شمل قرار الاتهام فى القضية رقم 100 لسنة 1977 حصر أمن دولة عليا- الخاصة بأحداث 18، 19 يناير الشهيرة- من شركة حرير حلوان وحدها واحــــــــــــد وعشرين ( 21)  متهماً، كما تعرض الكثيرون للسجن على فترات متتالية ضمن حملات السادات التى عرفت بالإجهاضية والتى كانت من ثوابت السياسة الأمنية آنذاك .. ولم تخلو واحدة من هذه الحملات والقضايا من عدد من القيادات العمالية  .. وبطبيعة الحال شملت حملة اعتقالات سبتمبر الكبرى عدداً غير قليل من هذه القيادات ..

    هذا فضلاً عن السياسة الحكومية التى بقيت معتمدة لزمن ليس بالقصير فى مواجهة أى تحرك عمالى احتجاجى فى موقع من المواقع العمالية بالسجن أولاً ، ثم نقل القيادات العمالية البارزة من مواقعها إلى مواقع أخرى جديدة لقطع الطريق على بروزها كقيادات  مؤثرة أو حرمانها من فرصة النجاح فى الانتخابات النقابية بمواقعها .. وإن كانت الحركة العمالية قد نجحت فى التصدى لهذه السياسة عن طريق انتخاب كل من ينقل إلى موقع جديد فى هذا الموقع حتى ولو لم يكن معروفاً لعماله !!( انتخاب على الهوية )

    كان هذا الجانب الآخر ..محاولات الفكاك من أسر التسوية والصفقة القديمة المستمرة نتائجها رغم انقضاء عهدها وشروطها وحتى عاقديها- الذين لم يبقَ سوى أحفادهم-

    غير أن التيار الذى تشكل فى خضم هذه المحاولات مدافعاً عن استقلالية التنظيم النقابى ، وديمقراطيته .. مطالباً بالحقوق والحريات الديمقراطية الأساسية للطبقة العاملة قد بات هو الآخر يواجه ذات المأزق والأزمة !!.. ذلك أن هذا التيار نفسه قد نما وتكون داخل القطاع العام ..جذوره كانت هناك .. حينما تم اقتطاعها مع شجرتها التى لم تعد سوى خشب جامد يفقد الحياة يوماً بعد يوم .

     

    كانت هذه أوضاع الطبقة العاملة فى بلادنا ..ربما تبدو الصورة الآن أكثر وضوحاً .. والظلال عميقة الأبعاد ..

    طبقة عاملة تعمل فى ظل آليات السوق الحرة بكل قسوتها التى لا ترحم .. بينما هى مكبلة بالقيود التى كانت قد طوقت معصمها فى ظل سياسات حمائية تنتمى لعصر لم يبقَ منه سوى تنظيم نقابى بيروقراطى معزول ليست معنية به .. كما أنه-بنفس القدر- ليس معنياً بها ، وبالمتغيرات التى اعترت بنيتها ، والمستجدات التى شهدتها نظم وعلاقات عملها ، والتى تستدعى أقصى قدر من المبادرة والجرأة على اقتحام المفاهيم وتجديد الرؤى ..لإعادة إنتاج العمل النقابى المبدع بأساليب جديدة من المؤكد أنه لا يقوى على إنتاجها سوى تنظيم ديمقراطى حى تتواصل خبراته مع الحركة  الفعلية الملموسة التى يمكن لها وحدها أن تنجو بالجميع من مأزقهم.

    طبقة بلا قيادة.. اضمحلت قياداتها باضمحلال القطاع العام ، غادر البعض منهم مواقعهم بفعل التصفية أو المعاش المبكر، واستسلم البعض الآخر استسلاماً غير معلن ، بينما لبث البعض الآخر  مستغرقاً فى دائرة العمل اليومى فيما لم يأتِ عليه الدور بعد من شركات القطاع العام.

    ..وبقى للطبقة العاملة المصرية  أن تستلهم تاريخها المجيد وإيمانها العميق بحقها فى التنظيم وقدرتها الدائمة على الإبداع دفاعاً عن مصالحها ومصالح المجتمع كله .. من أجل ميلاد جديد كانت قد سبقت إلى إنجابه فى الثلاثينات وأواخر الستينات.

     

     

    خاتمــــــــــــة

    وأخيراً .. هناك عدد من الشروط التى لا يمكن للطبقة العاملة بسواها أن تلعب دورها المفترض فى التنمية الاقتصادية ، والاجتماعية .. وأن تتمكن من الدفاع عن مصالحها .

    وبطبيعة الحال فإن غياب هذه الشروط أو تحققها ليس أمراً منفصلاً عن الأوضاع العامة فى بلادنا ، وفرص المشاركة الشعبية الحقة فى التصدى لقضايانا المطروحة.. غير أننى لا أجد متسعاً لتناولها  فى هذه الورقة -رغم  الإقرار بارتباطها الوثيق بما نحن بصدد مناقشته الآن-وتتلخص أبرز هذه الشروط فى الآتى:

     

    • أولاً: رفع كافة القيود القانونية عن حق تكوين النقابات .. ليتمكن العمال من تكوين منظماتهم النقابية الحقيقية التى تعبر عن مصالحهم وتخضع لإرادتهم وحدهم .. ولعله جديرٌ بالاستدعاء هنا ذلك النقاش والجدل الحاد الذى استغرق المهتمين بشئون الحركة العمالية المصرية سنوات طويلة والذين تجاذبتهم وجهتى النظر المتعارضتين:
    1. من يرون أنه لا سبيل لإيجاد ذلك التنظيم الحقيقى الديمقراطى دون الاعتراف بتعدد المـــــــراكز النقابية ( بالتعددية النقابية ) حيث تمثل فكرة التنظيم النقابى الواحد اعتداءً صريحاً على الحق الديمقراطى الأصيل للعامل فى حرية اختيار المنظمة النقابية.. فإذا كنا بصدد تنظيم نقابى واحد أين يمكن إذن أن يذهب العمال الذين لا يرونه معبراً عن مصالحهم ، قادراً على الدفاع عنها.. وأصحاب وجهة النظر هذه يسوقون الدليل على صحة ما يقولون من خبرة التنظيم الواحد الذى عانينا الأمرين من عدم استقلاليته ، وخضوعه لسلطة الحكم .
    2. ومن يرون أن التنظيم الواحد هو تعبير عن وحدة العمال ، ومصالحهم ..هذه الوحدة التى تكون دائماً مصدراً للقوة فلا ينبغى التضحية بها على أى نحو .. كما أنهم يتساءلون أين يمكن أن تذهب كل هذه المؤسسات العملاقة إذا ما اتجهنا إلى التعددية.

    وبغض النظر عن أن مثل هذا النقاش قد يبدو غير مستساغ الآن بينما عدد لا يستهان به من العمال-فى القطاع الخاص-بغير تنظيم نقابى..أى تنظيم نقابى.. فإننى أعتقد على أية حال أن النقاش يصبح أكثر سهولة ويسراً إذا ابتعدنا بالذات عن الخبرة الماثلة لاتحاد النقابات القائم منذ خمسة وأربعين عاماً ..ذلك أن وجود تنظيم نقابى واحد أو أكثر من تنظيم إنما هو أمر ينبغى أن تجيب عليه الخبرة الملموسة لحركة الطبقة العاملة، واحتياجاتها الفعلية ..المهم أن يكون التنظيم النقابى حقيقى يعمل من أجل تحسين شروط وظروف العمل ..ولكى يكون كذلك ينبغى أن يتوفر له أمران: 

    • أن يكون تنظيماً ديمقراطياً  يخضع لإرادة العمال.. هم الذين ينتخبون أعضائه فى كافة مستوياته، وهم الذين يقرون برامج عمله ، ويضعون لوائحه المنظمة ..يراقبوه ، ويمكنهم سحب الثقة من مستوياته المختلفة إذا ما أدارت الظهر لمصالح العمال التى ينبغى عليها التعبير عنها.
    • أن يكون تنظيماً مستقلاً.. أى أنه ليس لأحد عليه من سلطان إلا سلطة العمال.

    فلو أن الطبقة العاملة قد وجدت فى تنظيم واحد مثل هذه الشروط كان لها أن تكتفى به .. كما أنه ليس ثمة ما يحول دون وجود أكثر من منظمة نقابية .. إلى ذلك تدلنا خبرات البلدان الأخرى .. ففى فرنسا مثلاُ هناك أكثر من اتحاد ..بينما لا يوجد فى ألمانيا سوى اتحاد واحد .. المهم .. ماذا يفعل هذا الاتحاد .. وقبل ذلك هـــــــــــــــــل هو تنظيم عمالى فعلاً ؟!

     

    • ثانيا: رفع القيود عن الحقوق الديمقراطية الأساسية للطبقة العاملة وفى مقدمتها حق الإضراب فضلاً عن كافة حقوق التعبير والاجتماع ..والالتزام فى القانون الوطنى بما تنص عليه اتفاقيات العمل الدولية والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية و الاقتصادية والاجتماعية ..حيث لا ينبغى فرض القيود على الحق-بدعوى تنظيمه-على النحو الذى يحول عملياً دون ممارسته ، والذى يتعارض مع طبيعة الحق ذاته وفقاً لما يقتضيه الحال فى بلد ديمقراطى.

     

    • ثالثاً : لما كنا بصدد الحديث عن إصلاحات دستورية وسياسية ، وكان الكثيرون يطالبون بتعديل النص الدستورى المصرى على اشتراط تمثيل العمال والفلاحين بنسبة 50% على الأقل فى مجلس الشعب ومختلف الهيئات التمثيلية لما يرونه فى ذلك من انتهاك لحقى الانتخاب والترشيح ..فإننى أنضم إلى هؤلاء فى مطلبهم ، ذلك أن هذه النسبة-كما يعرف المصريون جميعاً- لم توفر أبداً فى يوم من الأيام تمثيل حقيقى للعمال فى مجلس الشعب أو المجالس المحلية ، ولم تمكنهم على أى نحو من التأثير على مراكز صنع القرار ، أو التعبير عن إرادتهم ومصالحهم أثناء سن التشريعات..ولعله غنى عن الذكر الآن أن حماية الحقوق والمصالح لا يتحقق بنسبة وهمية فى مجالس تمثيلية وهمية لا تتوفر لها المقومات الديمقراطية الحقيقية ، وإنما بالحق فى تنظيم آليات الدفاع ، وتكوين النقابات والمنظمات والأحزاب..وعلى ذلك ينبغى إطلاق حق العمال فى تكوين أحزابهم السياسية أيضاً

     

    • رابعاً : ينبغى أن تشهد شبكة الضمان الاجتماعى ، والتأمينات الاجتماعية تغيرات جذرية تمكنها من مواكبة المتغيرات الهائلة التى أسفرت عنها السنوات الماضية .. هذه التغيرات التى لا تتعلق فقط بالإجراءات وإنما بجوهر الفلسفة ..حيث ينبغى أن تكون المواطنة هى مصدر الحق فى الحصول على الضمان الاجتماعى ..وليس العمل أو الاشتراك التأمينى ..فمع تداعى القطاع العام ، ووجود أعداد لا يستهان بها من المتعطلين خارج كل شبكة للتأمين الاجتماعى ..فضلاً عن عمال القطاع الخاص الذين يعلمون حيناً .. ويتعطلون أحياناً  .. يؤدى بنا هذا كله إلى ضرورة اضطلاع الدولة مباشرة بدورها فى كفالة الضمان الاجتماعى الجدى لكافة مواطنيها بغض النظر عن سبق عملهم ، أو سبق سدادهم للاشتراك التأمينى وقيمة ومدة سداد هذا الاشتراك

    وفضلاً عن ذلك ينبغى أن تكفل الدولة حق العمل وفقاً للدستور المصرى نفسه .. حيث لا تستقيم كفالة مثل هذا الحق بغير الالتزام بتعويض الفرد الذى لا تستطيع الدولة أن توفر له فرصة العمل الملائمة .. أى بتعويضه عن بطالته دون ذنب منه .. تعويضاً ملائماً كافياً يمكن له أن يسد احتياجات أسرته ، وأن يكفل لها حياة كريمة.

     

    • خامساً :ينبغى تطوير نظم العمل بوزارة القوى العاملة على النحو الذى يكفل قيامها بدورها كمنظم لعمليات التشغيل والجهة المنوط بها مراقبة علاقات العمل .. وذلك على النحو التالى:
    • رصد ودراسة التغيرات التى تحدث فى سوق العمل، وتنظيم حصول العاطلين على الوظائف الملائمة لإمكانياتهم.
    •  التوسع فى نظام التدريب التحويلى، مع وجود جهاز قادر على وضع الخطط التدريبية التى تتناسب مع احتياجات السوق.
    •  تفعيل إمكانيات الوزارة فى المراقبة والتفتيش على سوق العمل، وضبط الانتهاكات التى يتم ارتكابها فى حق العمال ، والمخالفات القانونية .

     

     

     

    المراجــــــــــــع

     

    لمزيد من التفاصيل فى هذا المفهوم راجع:-

    1. جويل بنين، زكارى لوكمان "العمال والحركة السياسية فى مصر ج2
    2.  عطية الصيرفى، "عسكرة الحركة النقابية"
    3.  عادل أمين "محاكمة الشيوعيين المصريين"
    4.  دار الخدمات النقابية والعمالية " عمال فى القيود" تقرير عن الانتخابات النقابية الأخيرة.
    5. معهد التخطيط القومى "تقرير التنمية البشرية لعام 2000"
    6.  عبد المنعم الغزالى "بعد أربعين عاماً براءة الخميس والبقرى"
    7. كمال عباس "نحن وحركة مقاومة العولمة"

     

     

     

    u يعود تعبير التسوية التاريخية إلى "جويل بنين" وقد أخذته عنه لكونه من وجهة نظرى الأكثر دقة.. وكان باحثون آخرون قد استخدموا مصطلحات أخرى مثل المساومة أو الصفقة.

    u قام محمد نجيب رئيس الجمهورية آنذاك بتقديم استقالته من جميع مناصبه فى 24 فبراير 1954 احتجاجاً على تجاهل مجلس قيادة الثورة مطالبته بإعطائه سلطات حقيقية تتناسب مع موقعه كرئيس لمجلس قيادة الثورة .. مما جعل هذه الأزمة تتخذ شكلاً علنياً وعليه عندما تولى عبد الناصر رئاسة الدولة والوزارة خرجت مظاهرات جماهيرية تؤيد محمد نجيب وتطالب بعودة الديمقراطية النيابية ..فى 4، 5 مارس1954 وافق مجلس قيادة الثورة على دعوة مجلس تأسيسى للانعقاد فى يوليو التالى لوضع الدستور ، وعلى إلغاء قانون الطوارئ فى يونيو 1954 ، وإلغاء الرقابة على الصحف فى الحال..وقد عاد نجيب إلى رئاسة الوزارة ومجلس قيادة الثورة فى 9 مارس ، وفى 25 مارس أصدر مجلس قيادة الثورة قرارات تسمح بتكوين الأحزاب ، وأعلن أنه سوف يحل نفسه دون تشكيل حزب سياسى فى 24 يوليو 1954 موعد انعقاد الجمعية التأسيسية.

    u جريدة الأهرام المصرية ..فى 23/3/2001

    u فى نفس عدد الأهرام المشار إليه أعلاه صرح السيد / السيد راشد رئيس الاتحاد العام لعمال مصر أن البطالة المتراكمة قد وصلت نسبتها إلى 32%

    u المكتب الفنى لوزارة قطاع الأعمال العام / ويجدر بالذكر هنا أن التقديرات قد أشارت إلى توقع خروج حوالى 40312 عاملاً آخرين حتى 31/12/2001 ..أى أن العدد المتوقع لعمالة قطاع الأعمال العام فى نهاية 2001 هو 383296 عاملاً.

    u نستخدم مصطلح " النقابيين الرسميين " للدلالة على النقابيين الذين يتربعون على كراسيهم ويحتكرونها  عدة دورات  ولفترة طويلة ويشكلون الجسم الأساسى للتنظيم الحالى ...ومع  استمرارهم  تحول هؤلاء إلى مجموعة متميزة منفصلة تنسجم مصالحها وأفكارها مع الشكل البيروقراطى للتنظيم النقابى ، تقف  بشدة ضد مقرطته واستقلاليته وأى دعوة للتغيير أو التطوير ، ذات طبيعة محافظة ومهادنة فى العمل النقابى،  تتبنى الخط السياسى الحكومى وتربطها بالإدارات علاقات وثيقة ، وهى استناداً إلى ذلك تطرح نفسها على العمال بوصفها القيادات القادرة على حل المشاكل مع الإدارة  ، حيث تتمتع داخل المصنع وخارجه بالنفوذ الكافى لحل المشاكل .

    u مداخلة الدكتور / رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع التقدمى الوحدوى ، وعضو مجلس الشورى أثناء مناقشة المجلس لقانون العمل الموحد (جريدة الأهالى بتاريخ 13/3/2002)

    u كان من ضمن شروط الترشيح للنقابات أن يقدم المرشح ما يثبت عضوية المرشح فى الاتحاد الاشتراكى.

    u حيث كان هناك تقليداً بأن يتولى رئيس الاتحاد العام للعمال وزارة القوى العاملة.

    u من أبرز تلك المواقع (شركة حرير حلوان شركة الكوك شركة الحديد والصلب).

    u بعد حل الاتحاد الاشتراكى استبدل النظام شرط العضوية به للترشيح بعرض أسماء المرشحين على المدعى العام الاشتراكى.

    u أحمد عرابى، مجدى سعفان من الأهلية بأبو زعبل،  صابر بركات من شركة الدلتا للصلب، حسن هيكل من شركة السكر بالحوامدية

  • منذ صدور القرار الجمهورى بتشكيل لجنة الخبراء أو لجنة العشرة لإجراء التعديلات على الدستور المعطل (دستــــور 2012)، أطلقـــت دار الخدمـــات النقابيــة والعماليـــة حملتها "العمال والدستور"، وفى إطار هذه الحملة عقدت الدار 6 لقاءات من حلقات نقاشية فى القاهرة، وحلوان، ومدينة العاشر من رمضان، ومدينة السادات، والاسكندرية، ومدينة المحلة الكبرى.. وقد استهدفت الدار من هذه الندوات إدارة حوار شارك فيه عدد واسع من القيادات العمالية حول مطالب العمال فى الدستور وملاحظاتهم حول المسودة التى أعدتها لجنة الخبراء، ثم أعقبت ذلك بعقد مائدة حوار شارك فيها عدد من القيادات العمالية وخبراء قانونيين وقيادات سياسية، وقد جرى الحوار خلال أعمال  المائدة المستديرة حول محصلة النقاش التى رصدتها الدار خلال الندوات والحلقات النقاشية.

    واليوم تصدر دار الخدمات النقابية هذه الورقة التى صاغت فيها الدار خلاصة تلك النقاشات والحوارات ومساهمة من الدار فى توصيل صوت العمال الحقيقى للجنة الخمسين المخولة بإعداد الدستور، متطلعة أن تتعاطى اللجنة مع هذه المقترحات بالأهمية الواجبة حتى يجئ الدستور ملبياً لتطلعات الشعب المصرى ومعبراً عن طموحات ومطالب ناضل الشعب المصرى من أجل تحقيقها ودفع ثمنها من دماء آلاف الشهداء الذين سقطوا فى ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو.

    مرفق ورقة العمال والدستور

    دار الخدمات النقابية والعمالية

    20-10-2013

الصفحات